عاد الله تعالى بألطافه عليه، فقال تعالى: {فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا}
وأفاض عليه من نعمه، ما أنساه بلوى نقمه، ومنحه من أقسام كرمه أن أفتاه في يمينه تحلة قسمه، ومدحه في نص الكتاب، فقال تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ 44}
فلو لم يكن الصبر من أعلى المراتب وأسنى المواهب لما أمر الله تعالى به رسله ذوي الحزم وسمّاهم بسبب صبرهم أولي العزم، وفتح لهم بصبرهم أبواب مرادهم وسؤالهم ومنحهم من لدنه غاية أمرهم ومأمولهم ومرامهم، فما أسعد من اهتدى بهداهم واقتدى بهم، وإن قصر عن مداهم. وقيل: العسر يعقبه اليسر، والشدة يعقبها الرخاء، والتعب يعقبه الراحة، والضيق يعقبه السعة، والصبر يعقبه الفرج، وعند تناهي الشدة تنزل الرحمة، والموفق من رزقه صبرا وأجرا، والشقي من ساق القدر إليه جزعا ووزرا.
ومما شنف السمع من نجح هذه الإشارة، وأتحف النفع في نهج هذه العبارة، ما روي عن الحسن البصري رضي الله تعالى عنه قال: كنت بواسط، فرأيت رجلا كأنه قد نبش من قبر، فقلت: ما دهاك يا هذا؟ فقال: أكتم علي أمري، حبسني الحجاج منذ ثلاث سنين، فكنت في أضيق حال، وأسوأ عيش، وأقبح مكان، وأنا مع ذلك كله صابر لا أتكلم، فلما كان بالأمس أخرجت جماعة كانوا معي، فضربت رقابهم، وتحدث بعض أعوان السجن أن غدا تضرب عنقي، فأخذني حزن شديد وبكاء مفرط، وأجرى الله تعالى على لساني فقلت: إلهي اشتد الضر وفقد الصبر وأنت المستعان، ثم ذهب من الليل أكثره، فأخذتني غشية، وأنا بين اليقظان والنائم إذ آتاني آت فقال لي: قم فصل ركعتين وقل: يا من لا يشغله شيء عن شيء ، يا من
أحاط علمه بما ذرأ وبرأ وأنت عالم بخفيات الأمور ومحصي وساوس الصدور، وأنت بالمنزل الأعلى، وعلمك محيط بالمنزل الأدنى، تعاليت علوا كبيرا، يا مغيث أغثني، وفكّ أسري، واكشف ضري، فقد نفذ صبري، فقمت وتوضأت في الحال وصليت ركعتين وتلوت ما سمعته منه، ولم تختلف عليّ منه كلمة واحدة، فما تم القول حتى سقط القيد من رجلي ونظرت إلى أبواب السجن فرأيتها قد فتحت. فقمت، فخرجت ولم يعارضني أحد، فأنا والله طليق الرحمن، وأعقبني الله بصبري فرجا، وجعل لي من ذلك الضيق مخرجا، ثم ودعني وانصرف يقصد الحجاز.