لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ. أطلق اسم الحجة على المعاندين لأنهم يسوقونه سياق الحجة. علمتنا الآية أن على المسلم أن يبطل حجج أعداء الله بمواقفه وسلوكه، وقد أبطل الله عزّ وجل حججا كثيرة للكافرين على هذه الأمة بهذا التوجه إلى القبلة. إن كثيرا من الكافرين يريدون أن يبرهنوا على أن هذا الدين مأخوذ عن غيره، بينما القاعدة الأساسية فيه هي التميز عن غيره، والقبلة من مظاهر هذا التمييز. فلو بقيت القبلة إلى غير الكعبة لكان للكافرين في ذلك كلام. ومن الحجج التي بطلت بهذا التوجه، حجة العرب في أنه كيف يكون على ملة إبراهيم ويتوجه إلى غير بيته، ومن الحجج التي بطلت. زعم المشركين من العرب أن محمدا وأصحابه لا يعظمون الكعبة، ومن الحجج التي بطلت. حجة أهل الكتاب أنه بالإمكان أن يتابع محمد أهل الكتاب ما دام تابعهم في بعض دينهم. فكان التوجه نحو الكعبة قطعا لطمع أهل الكتاب في متابعة هذه الأمة. إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ: الذين ظلموا هنا، إما اليهود، وإما قريش في ساعة نزول القرآن. وهي عامة في كل ظالم، لأن الاستثناء من الناس. وكلمة الناس يدخل فيها الجميع. دلت الآية على أن المسلم لا ينبغي أن يبالي بالكلمة الظالمة، ولا بحجة الظالم. ولكن عليه أن يبطل الحجج حتى لا ينخدع بها غير قائليها من الظلمة. وبالنسبة لموضوعنا إذا حملنا الآية على أن المراد بالظالمين اليهود، فإنهم قالوا: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه، وحبا لبلده ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء عليهم السلام. وإذا حملنا الآية على أن المراد بالظالمين مشركو قريش إذ قالوا: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم.
مثل هذه الحجج لا ينبغي أن تلتفت إليها هذه الأمة التي تعلم أن الحق والخير هو في طاعتها لله في جميع أحوالها. فلا تخرج عن أمر الله طرفة عين إلى كلام الخارجين عن