وذلك دلالة على كمال أدبه صلى الله عليه وسلم فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها أي فلنعطينك ولنمكننك من استقبال هذه القبلة التي تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته. والفعل (ولى) هنا يحتمل التولية. فإن كان من باب الولاية يكون المعنى ما ذكرنا. وإن كان من باب التولية يكون المعنى فلنجعلنك تتوجه سمت القبلة التي تحبها وتميل إليها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: نحوه.
فصار المعنى: «اجعل تولية وجهك تلقاء المسجد الحرام. وهل المراد إصابة عين الكعبة أو المراد الجهة؟ قولان للأئمة في ذلك. والأكثر على أن المراد الجهة وهو أحد قولين للشافعي. ومما استدل به الحنفية وغيرهم على أن المراد إرادة الجهة لا عين القبلة من الآية، أن الآية ذكرت المسجد الحرام ولم تذكر الكعبة بالذات. فدل ذلك على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين. واستدلوا كذلك بقوله عليه الصلاة والسلام ما بين
المشرق والمغرب قبلة وهذا لمن كان في جهة الشمال أو الجنوب من الحرم. واستدلوا كذلك بالحديث «البيت قبلة لأهل المسجد. والمسجد قبلة لأهل الحرم. والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي» . أخرج ابن جريج عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ «أي حيثما كنتم من الأرض وأردتم الصلاة فولوا وجوهكم نحوه» . قال ابن كثير: أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حالة السفر. فإنه يصليها حيثما توجه قالبه، وقلبه نحو الكعبة. وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليها الشافعي وأحمد وأبو حنيفة