وهنا سؤال ، وهو إذا كان الجن من نار ، كما في قوله: {وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} [الرحمن: 15] ، فكيف تحرقه النار؟
فأجاب عنه الفخر الرازي بقوله: إن النار يكون بعضها أقوى من بعض ، فالأقوى يؤثر على الأضعف ، ومما يشهد لما ذهب إليه قوله تعالى بعده {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} والسعير: أشد النار.
ومعلوم أن النار طبقات بعضها أشد من بعض ، وهذا أمر ملموس ، فقد تكون الآلة مصنوعة من حديد وتسلط عليها آلة من حديد أيضاص ، أقوى منها فتكسرها.
كما قيل: لا يقل الحديد إلا الحديد ، فلا يمنع كون أصله من نار ألا يتعذب بالنار ، كما أن أصل الإنسان من طين من حمإٍ مسنون ، ومن صلصال كالفخَّار ، وبعد خلقه فإنه لا يحتمل التعذيب بالصلصال ولا بالفخار ، فقد يقضي عليه بضربة من قطعة من فخَّار ، والعلم عند الله.
إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)
قوله تعالى: {إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ} .
قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه في هذه الآية: إثبات أن للنار حساً وإدراكاً وإرادة ، والقرآن أثبت للنار أنها تغتاظ وتبصر وتتكلم وتطلب المزيد ، كما قال هنا: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظ} .
وقال: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} [الفرقان: 12] .
وقال: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} [ق: 30] قوله تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ} .