ثم قال عز وجل: {ثُلَّةٌ مّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مّنَ الآخرين} يعني: جماعة من أول هذه الأمة ، وجماعة من الآخرين.
فذكر في السابقين أنهم جماعة من الأولين ، وقليل من الآخرين ، لأن السابق في أخر الأمة قليل ، وأما أصحاب اليمين يكون جماعة من أول الأمة ، وجماعة من آخر الأمة.
ثم ذكر الصنف الثالث فقال: {وأصحاب الشمال مَا أصحاب الشمال} يعني: ما لأصحاب الشمال من شدة ، وشر ، وهوان.
ثم وصف حالهم فقال: {فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} والسموم: الزمهرير يقطع الوجوه وسائر الجسوم.
ويقال: السموم: النار الموقدة.
والحميم: الماء الحار الشديد ، {وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ} واليحموم الدخان يعني: دخان جهنم أسود {لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} يعني: {لاَّ بَارِدٍ} شرابهم {وَلاَ كَرِيمٍ} منقلبهم.
ثم بين أعمالهم التي استحقوا بها العقوبة بأعمالهم الباطلة فقال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} يعني: كانوا في الدنيا متكبرين في ترك أمر الله تعالى.
ويقال: كانوا مشركين {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم} يعني: يثبتون على الذنب العظيم ، وهو الشرك.
وإنما سمِّي الشرك حنثاً ، لأنهم كانوا يحلفون بالله ، لا يبعث الله من يموت ، وكانوا يصرون على ذلك.
وقال القتبي: {الحنث العظيم} اليمين الغموس.
وقال مجاهد: الذنب العظيم.
وقال ابن عباس: {الحنث العظيم} هو الشرك {وَكَانُواْ يِقُولُونَ} مع شركهم {أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ} يعني: بعدما صرنا تراباً ، وعظاماً باليةً ، صرنا أحياء بعد الموت {وَءابَاؤُنَا الأولون} الذين: مضوا قبلنا ، وصاروا تراباً.