ومعنى {قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 39 - 40] يعني: سبِّحه تسبيحاً دائماً لا ينقطع، فهذه الأوقات المذكورة تستوعب اليوم والليلة، لأن من الناس مَنْ يعمل بالنهار وينام بالليل، ومنهم مَنْ يعمل بالليل وينام بالنهار، فهذا انقطع تكليفه بالليل، وهذا انقطع تكليفه بالنهار.
وهذه الآية لها نظائر في آيات أخرى لكن لكل منها معنى، يقول تعالى في موضع آخر:
{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا .. } [طه: 30] فهنا قال: {الْغُرُوبِ} [ق: 39] وهناك قال
{غُرُوبِهَا .. } [طه: 30] فقالوا: إذن: ما الفرق بينهما؟ وأيهما أبلغ؟
نقول: كلُّ لفظ منهما بليغ في موضعه، فالشمس حين تغرب، منا مَنْ يشاهد آية الغروب، ومنا مَنْ لا يشاهده لغيم أو غيره، ويحكم بالغروب بشواهد أخرى تدل عليه.
لذلك في رمضان مثلاً، كثيرٌ منّا لا يرى غروب الشمس، ومع ذلك يفطر لأن لديه أدلة أخرى على الوقت، إذن: قوله تعالى
{وَقَبْلَ غُرُوبِهَا .. } [طه: 30] لمن شاهد الغروب، وقوله: {وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39] لمن لم يشاهده.
كذلك في قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40] وقال في موضع آخر:
{وَمِنْ آنَآءِ الْلَّيْلِ فَسَبِّحْ .. } [طه: 30] فالأَوْلَى لمن يريد أنْ يسبح في وقت واحد من الليل ثم ينام، والأخرى لمَنْ أراد أنْ يُسبّح ثم ينام، ثم يُسبِّح ثم ينام، يعني مرات متعددة أثناء الليل.
ومعنى {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40] يعني: عقب الصلوات، وقد بيَّن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية التسبيح عقب الصلوات. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...