قالوا: يشاء ما كان يعلمه ويتلذذ به من نعيم الدنيا، في حين أن نعيم الآخرة غيره تماماً ليس له منه إلا الأسماء، أما حقيقة الشيء فتختلف، لذلك قال بعدها {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] .
وقد بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة في قوله سبحانه:
{وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً ..} [البقرة: 25] .
يعني: إذا اشتاقت نفسه مثلاً لأن يأكل المانجو يجدها غير ما عرفه في الدنيا، فإنْ طلبها في اليوم التالي وجدها غير التي أكلها في اليوم الأول وهكذا، فهي متشابهة لكن ليست هي هي.
إذن: جعل لهم مشيئة فيما يعرفون من نعيم الدنيا وفيما يشتهونه منها، أما في الآخرة فشيء آخر بدليل"فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
لأنك إذا اشتهيتَ شيئاً طلبته باسمه، والاسم فرع لمعرفة المعنى، وما دام أنها أشياء غريبة عنا فنحن إذن لا نعرفها ولا نعرف لها اسماً.
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي الْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ}
(كم) هنا خبرية تفيد الكثرة، أي كثيراً ما أهلكنا {قَبْلَهُمْ ..} [ق: 36] أي: قبل قومك قريش {مِّن قَرْنٍ ..} [ق: 36] هم الجماعة الذين عاشوا في زمن محدود، وقدَّروه بمائة عام.
وقد يزيد القرن في المعنى عن هذا إذا ارتبط بنبي مثل قوم نوح عليه السلام، فقد اقترنوا جميعاً في نبوته التي استمرت ألف سنة إلا خمسين عاماً، فالقرن من الاقتران، سواء أكان الاقتران في زمن ملِك أو نبي أو حدث.
وفي آية أخرى بيَّن الحق سبحانه كيف أهلك الأمم المكذبة بهم قبلهم، فقال سبحانه:
{فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ..} [العنكبوت: 40] .
وكل هؤلاء كانوا أشد من قريش قوة وبطشاً، وأين هم من إرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد؟ وأين هم من فرعون ذي الأوتاد.
{فَنَقَّبُواْ فِي الْبِلاَدِ ..} [ق: 36] تنقلوا فيها وسافروا خلالها، والتنقُّل دليل القوة والتمكين، وأنهم غير مشغولين بأمور حياتهم.