وقد بيَّن الحق سبحانه أن الانتقال والسير في الأرض قد يكون للاعتبار كما جاء في قوله سبحانه
{قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ ..} [النمل: 69] وقد يكون لطلب الرزق والسياحة كما في قوله تعالى:
{قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُواْ ..} [الأنعام: 11] .
إذن: {فَنَقَّبُواْ فِي الْبِلاَدِ ..} [ق: 36] ساروا خلالها للمتعة وللانتفاع، حيث لم يكتفوا بما في أوطانهم، بل جابوا أوطاناً أخرى، ولا يفعل ذلك إلى القوي، أما الضعيف فلا يبرح مكانه ويرضى بالقليل.
وفي موضع آخر قال عنهم
{وَأَثَارُواْ الأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ..} [الروم: 9] .
وكلمة نقب تدل على البحث عن غير الظاهر عن المستور في باطن الأرض. إذن: لم يكتفوا بالظاهر من النعم وبحثوا عن المستور منها.
وقوله: {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} [ق: 36] أي: ملجأ يلجأون إليه ويحميهم من العذاب، والمعنى أن هؤلاء مع ما هم فيه من القوة والتمكين والسير في جنبات الأرض لما نزل بهم العذاب لم يجدوا لهم ملجأ يحميهم، ولا مأوى يدفع عنهم عذاب الله.
وكلمة {مَّحِيصٍ} [ق: 36] من حاص فهو حايص. نقولها حتى في العامية يعني: حائر يذهب إلى هنا، ويذهب إلى هناك، فلا يغيثه أحد، فلا مهرب ولا مفرّ.
وجاء بالمعنى المراد في صيغة الاستفهام {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} [ق: 36] لتجيب أنت وتقر بالواقع، هل وجدوا ملجأ يلجأون إليه من العذاب؟ والجواب لا.
وهذه الآية وردت لتسلية سيدنا رسول الله والتخفيف عنه لما يلاقيه من عنت قومه وعنادهم، كأنه تعالى يقول لنبيه: لا تحزن يا محمد وخُذْ أسوة بإخوانك من الرسل السابقين، فالغلبة لك في نهاية الأمر.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}
قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ ..} [ق: 37] أي: في قصص الأمم السابقة الذين أخذهم الله {لَذِكْرَى ..} [ق: 37] تذكير لكم كان يجب عليكم أنْ تعتبروا بهم، وقد بلغكم خبرهم، إما بمشاهدة آثارهم وبقايا ديارهم
{وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِالَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137 - 138] .
وإما بلغكم بسماع خبرهم من الكتب السماوية، والسمع والبصر أهم وسائل الإدراك في الإنسان، لذلك قال هنا {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] يعني: سمع وشاهد.