قَالَ وَقَالَ قَتَادَة هِيَ إِشَارَة إِلَى أهل الْكتاب فَكَأَنَّهُ قَالَ إن هَذِه العبر لتذكرة لمن لَهُ فهم، فَتدبر الْأَمر أوْ لمن سَمعهَا من أهل الْكتاب فَشهد بِصِحَّتِهَا لعلمه بهَا من كِتَابه التَّوْرَاة، وَسَائِر كتب بني إسرائيل.
قَالَ فـ (شهيد) على التَّأْوِيل الأول من الْمُشَاهدَة.
وعَلى التأويل الثَّانِي من الشَّهَادَة.
وَقَالَ الزّجاج معنى {من كَانَ لَهُ قلب} من شرف قلبه إلى التفهم.
ألا ترى أن قَوْله {صم بكم عمي} أنهم لم يستمعوا اسْتِمَاع مستفهم مسترشد فَجعلُوا بِمَنْزِلَة من لم يسمع
كَمَا قَالَ الشَّاعِر
أصم عَمَّا سَاءَهُ سميع
وَمعنى {أوْ ألقى السّمع} اسْتمع وَلم يشغل قلبه بِغَيْر مَا يستمع.
وَالْعرب تَقول: ألق إليَّ سَمعك. أَي اسْتمع مني
{وَهُوَ شَهِيد} أَي قلبه فِيمَا يسمع، وَجَاء فِي التَّفْسِير أنه يَعْنِي بِهِ أهل الْكتاب الَّذين عِنْدهم صفة النَّبِي.
فَالْمَعْنى {أوْ ألقى السّمع وَهُوَ شَهِيد} أي شاهد أن صفة النَّبِي فِي كِتَابه، وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْن عَطِيَّة عَن قَتَادَة وَذكر أن شَهِيدا فِيهِ بِمَعْنى شَاهد أَي مخبر.
وَقَالَ صَاحب الْكَشَّاف لمن كَانَ لَهُ قلب واع لأن من لَا يعي قلبه فَكَأنهُ لَا قلب لَهُ، وإلقاء السّمع والإصغاء
{وَهُوَ شَهِيد} أَي حَاضر بفطنته، لأن من لَا يحضر ذهنه فَكَأَنَّهُ غَائِب، أوْ هُوَ مُؤمن شَاهد على صِحَّته وأنه وَحي من الله وَهُوَ بعض الشُّهَدَاء فِي قَوْله {لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس}
وَعَن قَتَادَة وَهُوَ شَاهد على صدقه من أهل الْكتاب لوُجُود نَعته عِنْده.
فَلم يخْتَلف فِي أن المُرَاد بِالْقَلْبِ الْقلب الواعي، وأن المُرَاد بإلقاء السّمع إصغاؤه وإقباله على الْمُذكر وتفريغ سَمعه لَهُ.
وَاخْتلف فِي الشَّهِيد على أربعة أقوال:
أحدها أنه من الْمُشَاهدَة وَهِي الْحُضُور.
وَهَذَا أصح الأقوال وَلَا يَلِيق بالآية غَيره.
الثَّانِي أنه شَهِيد من الشَّهَادَة وَفِيه على هَذِه ثَلَاثَة أقوال:
أحدها أنه شَاهد على صِحَة مَا مَعَه من الإيقان.
الثَّانِي أنه شَاهد من الشُّهَدَاء على النَّاس يَوْم الْقِيَامَة.
الثَّالِث أنه شَهَادَة من الله عِنْده على صِحَة نبوة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بِمَا علمه من الْكتب الْمنزلَة.