والمعنى: أنه تعالى لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس، ولا شيء أخفى منها، وهو أقرب إلى الإنسان من كل قريب حين يتلقى، ويتلقن، ويأخذ ويكتب الملكان الحفيظان الموكلان بالعبد ما يتلفظ به العبد ويفعله.
وفيه: أي على الوجه الثاني، إيذان بأن استحفاظ الملكين أمر هو سبحانه غنيّ عنه، وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات؟! وإنما ذلك الاستحفاظ لحكمة، وهي ما في كتب الملكين وحفظهما لأعمال العبد، وعرض صحائف العمل يوم القيامة، وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطته تعالى بتفاصيل أحواله، خيرًا أو شرًا، من زيادة اللطف له في الانتهاء عن السيئات، والرغبة في الحسنات، والحال أنّ أحدهما {عَنِ الْيَمِينِ} ؛ أي: عن يمين العبد، وجانبه قعيد {و} الآخر منهما {عَنِ الشِّمَالِ} ؛ أي: شمال العبد {قَعِيدٌ} ، أي: مقاعد كالجليس بمعنى المجالس لفظًا ومعنى، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وقيل: يطلق الفعيل على الواحد والمتعدد، كما في قوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} ؛ أي: فالله أقرب إلى الإنسان من عرقه المخالط لة في وقت أخذ الملكين الحافظين من قوله وفعله، فلهما عن اليمين مقاعد، وعن الشمال مقاعد، وفي هذا إشارة إلى أنّ المكلّف غير متروك سدى، قال الحسن وقتادة، ومجاهد: المتلقيّان ملكان يتلقَّيان عملك، أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك، وقال مجاهد أيضًا: وكّل الله بالإنسان ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره.