الثاني: من صرف ما فضل من الفرائض والسنن إلى الاهتمام بصلاح قلوبهم، وعكوفها على الله وحده، والجمعية عليه، وحفظ الخواطر والإرادات معه.
وجعلوا قوة تعبدهم بأعمال القلوب من تصحيح المحبة للرب، والخوف والرجاء، والتوكل والإنابة، والتعظيم والحمد، ورأوا أن أيسر الواردات على قلوبهم من الله أحب إليهم من كثير من التطوعات البدنية.
فإذا حصل لأحدهم وارد أنس، أو حب، أو انكسار، أو ذل، لم يستبدل به شيئاً سواه البتة، إلا أن يجيء الأمر الواجب فيبادر إليه بذلك الوارد إن أمكنه وإلا بادر إلى الأمر ولو ذهب الوارد؛ فإذا جاءت النوافل فإن أمكن القيام إليها فذاك، وإلا نظر في الأرجح والأحب إلى الله:
هل هو القيام إلى تلك النافلة ولو ذهب وارده كإغاثة الملهوف، وإرشاد الضال، وجبر المكسور، واستفادة إيمان ونحو ذلك.
فهاهنا ينبغي تقديم النافلة الراجحة.
ومتى قدمها لله وتقرباً إليه فإنه يرد عليه ما فات من وارده أقوى مما كان.
وإذا كان الوارد أرجح من النافلة فالحزم له الاستمرار في وارده حتى يتوارى عنه، فإنه يفوت والنافلة لا تفوت.
وهذا موضع يحتاج إلى فضل فقه في الطريق، ومراتب الأعمال، وتقديم الأهم
فالمهم و «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين» متفق عليه.
وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - مصالح الدنيا والآخرة في قوله: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» أخرجه ابن ماجه.
فنعيم الآخرة ولذاتها إنما ينال بتقوى الله عزَّ وجلَّ.
وراحة القلب والبدن، والسلامة من التعب والكد في طلب الدنيا، إنما ينال بالإجمال في الطلب.
فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة .. ومن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها.
وتقوى الله عزَّ وجلَّ تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، ولهذا أمر بهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «اتَّقِ اللهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» أخرجه أحمد والترمذي.