وأن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله.
والتقوى قسمان:
تقوى القلوب .. وتقوى الجوارح.
والأصل تقوى القلوب، وتقوى الجوارح من لوازم تقوى القلوب، وهي ثمرة تقوى القلوب، فالتقوى في الحقيقة في القلب كما قال سبحانه: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) } [الحج: 32] .
وتقوى الجوارح لا قيمة لها ولا وزن بدون تقوى القلوب.
والله سبحانه أمر عباده أن يقوموا بشرائع الإسلام على ظواهرهم، وحقائق الإيمان على بواطنهم، ولا يقبل واحد منهما إلا بصاحبه وقرينه، والإسلام علانية، والإيمان في القلب.
وكل إسلام ظاهر لا يقوم على حقيقة الإيمان الباطنة فليس بنافع حتى يكون معه إيمان باطن.
وكل حقيقة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة لا تنفع ولو كانت ما كانت.
فلو تمزق القلب بالمحبة لله، والخوف منه، والتعظيم له، ولم يتعبد بالأمر وظاهر الشرع لم ينجه ذلك من النار.
كما أنه لو قام بظواهر الإسلام، وليس في باطنه حقيقة الإيمان، لم ينجه ذلك من النار: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) } [الكهف: 110] .
وأكمل الهدي في الإسلام والإيمان والإحسان وفي كل شيء هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكان موفياً كل واحد حقه، فكان مع كمال تقواه وإرادته يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ويصوم حتى يقال لا يفطر، ويجاهد في سبيل الله، ويحج ويعتمر، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، ويكرم الضيوف، ويواسي
المحتاجين، ويخالط أصحابه، ويؤدي الفرائض، ولا يترك شيئاً من النوافل والأذكار والأوراد.
وإذا عرف هذا فالصادقون السائرون إلى الله والدار الآخرة قسمان:
الأول: من صرف ما فضل من أوقاتهم بعد الفرائض إلى النوافل البدنية وجعلوها دأبهم من غير حرص منهم على تحقيق أعمال القلوب ومنازلها وأحكامها، وإن لم يكونوا خالين من أصلها، ولكن هممهم مصروفة إلى الاستكثار من الأعمال الصالحة.