الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب عليًّا -رضي الله عنه-، فكيف يأمر غيره بسبه؟ بل كان معظمًا له معترفًا له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابت عنه.
قال ابن كثير: وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني.
ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة -رضي الله عنه- قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك، إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم.
الثاني: أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية -رضي الله عنه- تعرض لعلي -رضي الله عنه- بسب، أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه.
الثالث: أن معاوية -رضي الله عنه- كان رجلًا ذكيًا، مشهورًا بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي -وحاشاه من ذلك- أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص، وهو من هو في الفضل، والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلًا!! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلًا، وتدبيرًا، فكيف بمعاوية!
الرابع: أن معاوية -رضي الله عنه- انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي- رضي الله عنهما- له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سب علي؟! بل الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية -رضي الله عنه- الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة، والتدبير.
الخامس: أنه كان بين معاوية -رضي الله عنه- بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي من الألفة والتقارب ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ .. ومن ذلك أن الحسن، والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسن: ولم تعط أحدًا أفضل منا.