{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ..} [الفتح: 1 - 2] فذكر الذنب في حق الرسول رغم أنه معصوم. والعلماء حينما بحثوا مثل هذه الآيات قالوا: هي من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ومعلوم أن المقربين درجة من درجات الطاعة والامتثال لله أعلى من درجة الأبرار، لأن الأبرار هم الذين يطيعون الله ويفعلون الخيرات وينفذون الأوامر.
أما المقربون فهم الذين يزيدون على ذلك تقرباً إلى الله، حتى في عُرْف الناس المقرَّب منك هو الصديق الملازم لك الذي لا يفارقك ويحبك ويخاف عليك.
كذلك المقرب من الله، له قانون آخر في التعامل غير قانون الأبرار، ومقياس آخر للحسنات والسيئات يناسب درجة قُربه من ربه عز وجل.
ترى لو أنك مثلاً مرضت لا قدر الله وجاءك أحد معارفك وزارك في مرضك ولو مرة واحدة ماذا تفعل؟ تشكره وترى أنه أدى الواجب.
أما صديقك المقرب لو زارك مرة واحدة مثله ماذا تفعل؟ تعاتبه وتلومه لأنك كنت تنتظر منه أكثر من زيارة، هذا هو معنى: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
إذن: الحسنة من الإنسان العادي قد تُعدُّ سيئة بالنسبة للنبي، فالنبي مقرب وللمقرب حساب آخر، ولهذه القربى ثمن، وكان الله يقول لك: حافظ على هذه الدرجة من القرب مني، وإياك أن يحدث منك ولو شيء بسيط بالنسبة لغيرك.
أو أن سيدنا رسول الله كما قال:"رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"فقوله (عن أمتي) يعني: أنه غير داخل في هذا الحكم، فلا يجوز منه النسيان الذي يجوز من غيره والنسيان في حقه إذن يُعدُّ ذنباً.
"لذلك لما صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة رباعية وسلَّم منها بعد ركعتين قال له أحد الصحابة وهو ذو اليدين: أقصرتْ الصلاة أم نسيتَ يا رسول الله؟ قال: كل ذلك لم يكُن، قال: بل بعض ذلك كان"انظر عظمة الصحابي في السؤال، وعظمة رسول الله في الرد، وعظمة الإيمان الذي ربَّى هؤلاء.
إذن: من الممكن أنْ ينسى رسول الله ويُعد نسيانه ذنباً لماذا؟ لأنه رسولٌ وصاحبُ رسالة مكلَّف بتبليغها وإشراقات النبوة لا تفارقه فكيف ينسى؟ لذلك لما سأل أحد العامة العالم العابد المنقطع لله وقال له: ما حكم مَنْ سها في الصلاة؟ قال له: عندنا أم عندكم؟ قال: بل عندنا. قال: يسجد للسهو، قال: وعندكم؟ قال: نقتله.