قال:"الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله"وخرجه الترمذي الحكيم في"نوادر الأصول"من حديث ابن عمر:"أن رجلاً قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال:"أكثرهم للموت ذكراً وأحسنهم له استعداداً وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع"قالوا: فما آية ذلك يا نبيّ الله؟ قال:"الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت"فذكر صلى الله عليه وسلم خصالاً ثلاث ، ولا شك أن من كانت فيه هذه الخصال فهو الكامل الإيمان ، فإن الإنابة إنما هي أعمال البر ؛ لأن دار الخلود إنما وضعت جزاء لأعمال البر ، ألا ترى كيف ذكره الله في مواضع في تنزيله ثم قال بعقب ذلك: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] فالجنة جزاء الأعمال ؛ فإذا انكمش العبد في أعمال البر فهو إنابته إلى دار الخلود ، وإذا خمد حرصه عن الدنيا ، ولَها عن طلبها ، وأقبل على ما يغنيه منها فاكتفى به وقنع ، فقد تجافى عن دار الغرور."
وإذا أحكم أموره بالتقوى فكان ناظراً في كل أمر ، واقفاً متأدّباً متثبتاً حذِراً يتورّع عما يُريبه إلى ما لا يُريبه ، فقد استعدّ للموت.
فهذه علامتهم في الظاهر.
وإنما صار هكذا لرؤية الموت ، ورؤية صرف الآخرة عن الدنيا ، ورؤية الدنيا أنها دار الغرور ، وإنما صارت له هذه الرؤية بالنور الذي ولج القلب.
وقوله: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله} قيل: المراد أبو لهب وولده ، ومعنى:"مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ"أن قلوبهم تزداد قسوة من سماع ذكره.
وقيل: إن"مِن"بمعنى عن ، والمعنى قست عن قبول ذكر الله.
وهذا اختيار الطبري.