وهذا ما يستفاد من تأويلات الصدر الأول التي رواها المفسرون حيث رووا عن ابن عباس ومقاتل وغيرهما أن فيها أمرا للمسلمين بالهجرة من مكة. ولقد قال البغوي دون عزو إلى أحد: إنها نزلت في مهاجري الحبشة، وقال الخازن دون عزو إلى أحد: قيل إنها نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين هاجروا إلى الحبشة، ونرجح أن هذا القول من وحي الهجرة التي كانت في أواخر الهجرة الخامسة على ما يستفاد من روايات السيرة وبعبارة أخرى بعد هذه الآيات التي
يخمن نزولها في مثل هذا الوقت، إذا ما لوحظ المقدار الذي نزل من القرآن قبلها.
والروايات تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء وأنه لا يقدر على منعهم. قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ فيها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم، فخرجت أولى قافلة منهم مؤلفة من عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت النبي وأبي حذيفة بن عتبة وزوجته سهلة بنت سهيل والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي وزوجته وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وزوجته ليلى وأبو سبرة بن أبي رهم وسهيل بن بيضاء رضي الله عنهم.
والأسماء تدل على أن المهاجرين كلهم أو جلهم من بيوتات قريش حيث يزيل هذا ما يقع في الوهم أنهم من الفئات الضعيفة أو الفقيرة. وكل ما كان من أمر هو أن آباءهم وذويهم نقموا عليهم إسلامهم واضطهدوهم وحاولوا أن يفتنوهم عن دينهم فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإذن الله بالهجرة. والروايات تذكر أنه بلغ المهاجرين خبر إسلام قريش فعادوا إلى مكة بعد أشهر فظهر لهم خطأ ما بلغهم فعاد أكثرهم ثانية إلى الحبشة وهاجر معهم عدد كبير آخر حيث بلغ عدد قافلتهم هذه المرة 83 رجلا و 17 امرأة جلهم من قريش.