وهذا كله من باب المعاريض (الحيل) التي استخدمها سيدنا إبراهيم -عليه السلام- حتى يخلو بها إلى أصنامهم، فقال إني سقيم ليلزم مكانه ويفارقوه، ولم ينطق إبراهيم بأن النجوم دلته على أنه سقيم، ولكنه لما جعل قوله: (إني سقيم) مقارنًا لنظره في النجوم أوهم قومه أنه عرف ذلك من دلالة النجوم حسب أوهامهم.
وعلى هذا فلم يكن مريضًا جسمانيًا، بدليل أنه حطم الأصنام، وهي تحتاج إلى مشقة عالية، وإنما هذا من باب المعاريض.
وعلى القول بأنه سقيم فسقمه سقم نفسي من تماديهم في الباطل على ما يأتي:
الثاني: سقيم بالنسبة إلى ما يستقبل من مرض الموت.
لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت، وهذا كما قال الله سبحانه (إنك ميت وإنهم ميتون) ، أي: ستموت.
قال الزمخشري: ولقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم. ومنه المثل: كفي بالسلامة داء. وقول لبيد:
فَدَعَوْتُ رَبِّي بالسَّلامَةِ جَاهِدا ... لِيُصِحَّنِي فَإذَا السَّلامَةُ دَاءُ
وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس وقالوا: مات وهو صحيح، فقال أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه.
الثالث: سقيم بمعنى: مريض القلب عن عبادتكم هذه الأوثان.
ومنه قوله تعالى: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} .
الرابع: سقيم أي: سأسقم، فالْإِنْسَان عُرْضَة لِلْأَسْقَامِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الاعْتِذَار عَنْ الخُرُوج مَعَهُمْ إِلَى عِيدهمْ، وَشُهُود بَاطِلهمْ وَكُفْرهمْ، واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرًا.
الخامس: سقيم أي: سقيم الحجة على الخروج معكم.
السادس: أنه نظر نظرة في النجوم في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه سقامة كالحمى في بعض ساعات الليل والنهار، فنظر ليعرف هل هي في تلك الساعة وقال: {إِنِّي سَقِيمٌ}
فجعله عذرًا في تخلفه عن العيد الذي لهم وكان صادقًا فيما قال، لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت، وإنما تخلف لأجل تكسير أصنامهم.
وتعقب ابن حجر هذا القول، فقال: وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبًا لا تصريحًا ولا تعريضًا.
وعلى هذا فقد تبين أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن مريضًا جسمانيًا، وإنما هذه حيلة أراد أن يتوصل إلى أصنامهم، وهو من المعاريض كما تقدم.