دون تكلف ودون خجل، لأنه أمر طبيعي، أما مع غير المحارم ومع من يحرم عليك النظر إليهن، فإنك تسرق النظرة وتحتال لها، حتى لا ينكشف أمرك، ولا يطلع أحد على نقيصتك.
فإذا جاءت كسب محل اكتسب، فاعلم أن صاحب المعصية ومرتكب الإثم قد تعود عليه وألفه، حتى أنه يفعله كأمر طبيعي فلا يخفيه ولا يستحي منه، بل يجاهر به، فعد الاكتساب في حقه كسباً، كما في هذه الآية:
{وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) } [يس]
{وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) }
يعني: كما ختمنا على أفواهم ومنعناهم الكلام لو شئنا لطمسنا أعينهم يعني: أغلقناها وسويناها، بحيث لا يظهر لها أثر في وجوهم، وإذا طمسنا على أعينهم فقدوا البصر، فكيف يبصرون وهم يسابقون إلى الصراط؟
{وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67) }
لقائل أن يقول: إذا فقدوا البصر على الصراط، فقد تكون لهم بدائل وحيل تسعفهم، كأن يتحسس طريقه بعصا مثلاً، أو يجد من يأخذ بيده ويرشده، فالحق سبحانه وتعالى يطوقهم من كل نواحيهم، ويقطع أملهم في النجاة، فيقول: {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ (67) } [يس]
فالأمر لا ينتهي عند العمى والطمس على الأعين، إنما هناك ما هو أشد، أن يمسخهم في أماكنهم ويجمدهم فيها، فلا يستطيعون حراكاً.
والمسخ أن يصيروا كالمساخيط لا يتحرك، أو مسخناهم يعني: حولنا صورهم إلى صور قبيحة، إذلالاً وإهانة لهم.
والمعنى الأول أوجه، لأنه تعالى قال بعدها: {فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67) } [يس]
لأنهم تجمدوا في أماكنهم، فلا حركة لهم لا إلى الأمام بالمضى في الطريق الجديد الذي هم مقبلون عليه، ولا حتى العودة في الطريق الذي جاءوا منه وألفوه.