اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَعْمَيْنَاهُمْ عَنِ الْهُدَى، وَأَضْلَلْنَاهُمْ عَنْ قَصْدِ الْمَحَجَّةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَوْ نَشَاءُ لَتَرَكْنَاهُمْ عُمْيًا
عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «لَوْ يَشَاءُ لَطَمَسَ عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَتَرَكَهُمْ عُمْيًا يَتَرَدَّدُونَ»
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْكَلَامِ، لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا تَهَدَّدَ بِهِ قَوْمًا كُفَّارًا، فَلَا وَجْهَ لِأَنْ يُقَالَ: وَهُمْ كُفَّارٌ، لَوْ نَشَاءُ لَأَضْلَلْنَاهُمْ وَقَدْ أَضَلَّهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: لَوْ نَشَاءُ لَعَاقَبْنَاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، فَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَصَيَّرْنَاهُمْ عُمْيًا لَا يُبْصِرُونَ طَرِيقًا، وَلَا يَهْتَدُونَ لَهُ؛ وَالطَّمْسُ عَلَى الْعَيْنِ: هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ جَفْنَيِ الْعَيْنِ غُرٌّ، وَذَلِكَ هُوَ الشِّقُّ الَّذِي بَيْنَ الْجَفْنَيْنِ، كَمَا تَطْمِسُ الرِّيحُ الْأَثَرَ، يُقَالُ: أَعْمَى مَطْمُوسٌ وَطَمِيسٌ.
وَقَوْلُهُ: {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ}
يَقُولُ: فَابْتَدَرُوا الطَّرِيقَ.
وَقَوْلُهُ: {فَأَنَّى يُبْصِرُونَ}
يَقُولُ: فَأَيُّ وَجْهٍ يُبْصِرُونَ أَنْ يَسْلِكُوهُ مِنَ الطُّرُقِ، وَقَدْ طَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: {فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} «وَقَدْ طَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ» .
وَقَالَ الَّذِينَ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ} إِلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ الْعَمَى عَنِ الْهُدَى تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} فَأَنَّى يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ.
وَقَوْلُهُ: {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَقْعَدْنَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَرْجُلِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ
{فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ}
يَقُولُ: فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَمْضُوا أَمَامَهُمْ، وَلَا أَنْ يَرْجَعُوا وَرَاءَهُمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَهْلَكْنَاهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ وَالْمَكَانَةُ وَالْمَكَانَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَدْ بَيْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.