(ولا تجزون إلا) جزاء (ما كنتم تعملون) في الدنيا أو إلا بما كنتم تعملونه أي بسببه أو في مقابلته، ولما ذكر الله سبحانه حال الكافرين أتبعه بحكاية حال عباده الصالحين، وجعله من جملة ما يقال للكفار يومئذ زيادة لحسرتهم، وتكميلاً لجزعهم، وتتميماً لما نزل بهم من البلاء. وما شاهدوه من الشقاء، فإذا رأوا ما أعد الله لهم من العذاب وما أعده لأوليائه من أنواع النعيم بلغ ذلك من قلوبهم مبلغاً عظيماً، وزاد في ضيق صدورهم زيادة لا يقادر قدرها فقال:
إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56)
(إن أصحاب الجنة اليوم في شغل) لما هم فيه من اللذات التي هي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، عن الاهتمام بأمر الكفار ومصيرهم إلى النار، وإن كانوا من قراباتهم، والأولى عدم تخصيص الشغل بشيء معين والشغل هو الشأن الذي يصد المرء ويشغله عما سواه من شؤونه، لكونه أهم عنده من الكل، إما لإيجابه كمال المسرة والبهجة، أو كمال المساءة والغم، والمراد هنا هو الأول وما فيه من التنكير والإبهام للإيذان بارتفاعه عن رتبة البيان.
وقال قتادة ومجاهد: شغلهم ذلك اليوم بافتضاض العذارى وبه قال ابن عباس وابن مسعود وعكرمة، وعن ابن عمر:"أن المؤمن كلما أراد زوجة وجدها عذراء"وقد روي نحوه مرفوعاً ، وعن ابن عباس أيضاً قال في ضرب الأوتار، وقال أبو حاتم: هذا لعله خطأ من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار على شط الأنهار تحت الأشجار.