وقد كشف صاحب النظم على هذا فقال: جعل الله تعالى الآباء ذرية للأبناء، وجاز ذلك. لأن الذرية مأخوذة من: ذرأ الله الخلق، فسمى الولد ذرية؛ لأنه ذرى من الأب، فكما جاز أن يقال للولد: ذرية لأبيه، لأنه ذري منه، وكذلك يجوز أن يقال للأب: ذرية للابن؛ لأن ابنه ذري منه، فالفعل يتصل به من أحد الوجهين، وهذا كما تقول في المصدر فإنه سمي به الفاعل مرة والمفعول أخرى، نحو: درهم ضرب الأمير، ونسج اليمن، وكقول {إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} [الملك: 30] أي: غائرًا وهو كثير، وكذلك يضاف المصدر إلى الفاعل مرة ومرة إلى المفعول، لاشتماله عليهما واشتراكهما في التسمية به. والمشحون: المملوء.
قال أبو عبيدة: يقال: شحنت المدينة وأشحنتها، إذا ملأتها. قال مقاتل: يعني الموقر من الناس والدواب.
42 -وقوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد السفن مثل مركب نوح. وهذا قول مقاتل والحسن وأبي صالح والسدي عن أبي مالك. كل هؤلاء قالوا: يعني السفن الصغار، فإنها عملت بعد سفينة نوح على صنعتها.
وقال آخرون: يعني الإبل. وهو قول عكرمة وعبد الله بن شداد.
وذكر الكلبي القولين جميعًا، وقال: في البحر السفن، وفي البر الإبل. والظاهر القول الأول؛ لأنه قال: {مِنْ مِثْلِهِ} ، والسفن هي التي تشبه ما عمله نوح، وهي أيضًا من الخشب الذي هو من خشب سفينة نوح. ومن ذهب إلى الإبل احتاج أن يجعل (مِنْ) زائدة، ويجعل الإبل من السفينة في أنها تحمل الإنسان في البر كما تحمله السفينة في البحر، فهو مثلها في العمل والحمل لا في الصورة والخلقة، ويدل على صحة القول الأول: