التامة أي ما وجدت صيحة من الصياح إلا صيحة واحدة لا غير ولو قدر الْفَاعل شيء من
الأشياء يشكل تأنيث الْفعْل كما قاله أبو حيان من أن الأصل أن لا يلحق التاء لأنه إذا كان
الْفعْل مسندًا إلَى ما بعد إلا من المؤنث لم يجئ علامة التأنيث فتقول ما قام إلا هند لا ما
قامت إلا هند عند أصحابنا إلا في الشعر، وجوزه بعضهم في الْكَلَام عَلَى قلة [ومثله] قراءة
إلى الحسن:"لا ترى إلا مساكنهم"بالتاء انتهى. إن قدر الْفَاعل الْمَحْذُوف مذكرًا يَنْبَغي أن لا
يكون الْفعْل مؤنثًا وإن قدر مؤنثًا كما ذكرناه فيحسن جعله مؤنثًا فلو قال: ما قامت إلا هند
بتقدير ما قامت امرأة من النساء إلا هند لا كلام في حسنه وإن قدر أحد لا كلام في عدم
حسنه وبهذا البيان يحصل التوفيق بين الْقَوْلين.
قوله: (ميتون، شبهوا بالنار رمزًا إلى أن الحي كالنار الساطعة والميت كرمادها) شبهوا
بالنَّار فيكون في الْكَلَام اسْتعَارَة مكنية وتخييلية. شبه القوم بالنَّار في العلم وإثبات الخمود
اسْتعَارَة تخييلية قرينة المكنية ويحتمل أن يكون اسْتعَارَة تمثيلية شبه الهيئة المأخوذة من
القوم وحبوتهم ثم عروض الموت والهلاك فصاروا كرماد بالهيئة المنتزعة من النَّار وكونها
ساطعًا لهبها ثم عروض الانطفاء والخمود فصارت رمادًا فذكر الْكَلَام المركب الموضوع
للمشبه به وأريد المشبه، وجوز كون الاسْتعَارَة مصرحة تبعية في الخمود بمعنى البرودة
والسكون لأن الروح لفزعها من الصيحة تندفع إلَى الباطن دفعة واحدة ثم تنحصر فتنطفئ
الحرارة الغريزية لانحصارها، وأنت خبير بأنه ما أمكن الاسْتعَارَة التمثيلية لا يصار إلَى غيرها.
قوله: كالنَّار الساطع. الساطع صفة جرت عَلَى غير ما هي له. أي الساطع لهبها وفي تذكيره هنا
وتأنيث ضميرها في كرمادها إشَارَة إليه.
قوله:(كما قال:
وَمَا المَرْءُ إِلَّا كَالشّهَابِ وَضَوْئِه ... يَحُورُ رَمَادًا بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعُ)
كما قال قائله لبيد. وما المرء الخ. ويحور بالحاء والراء المهملتين بمعنى يعود ويرجع.
والْمُرَاد بالشهاب هنا شعلة النَّار والاستشهاد عَلَى كون الميت كالرماد والحي كالنَّار الساطع
فقوله يحور رمادًا أي مثل رماد بعد؛ إذ هُوَ كالنَّار الساطع.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: يَحُورُ [رَمَادًا] . أي يرجع من حار يحور حورًا وحورًا رجع يقال حار بعد ذلك ونعوذ باللَّه
من الحور بعد الكور. أي من النقصان بعد الزّيَادَة.
قوله: تَعَالَي فهذه من الأحوال التي من حقها أن تحضري فيها. قال الزجاج: [هذه] أصعب مسألة
في الْقُرْآن لأن الحسرة مما لا يجيب فالفَائدَة في مناداتها كما أنك تقول لمن هُوَ مقبل عليك يا زيد
ما أحسن ما صنعت لتنبيهه بالنداء عَلَى المطلوب، فكذا إذا قلت وأنا أعجب ما فعلت فقد أفدته أنك
متعجب. ولو قلت واعجباه مما فعلت كان أبلغ في الفَائدَة. والْمَعْنَى يا عجب أقبل فإنه من أوقاتك.
وإنما نداء العجب تنبيه لأن يمكن علم المخاطب بالتعجب من فعله والحسرة هي أن يركب
الْإنْسَان من شدة الندم ما لا نهاية بعده حتى يبقى حسيرًا.