لفخامته وشدته، بلغ إلى حيث إن كل من يتأتى منه التلهف إذا نظر إلى حال استهزائهم بالرسل تحسَّر عليهم، وقال: يا لها من حسرةٍ وخيبة على هؤلاء المحرومين، حيث بدَّلوا الإِيمان بالكفر، والسعادة بالشقاوة، وفي الآية تعريضٌ بكفار قريش حيث كذبوا سيد المرسلين.
ولمّا مثل حال كفار مكة بحال أصحاب القرية وبَّخ المشركين على عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القرون أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي ألم يتعظ هؤلاء المشركين بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، ويعلموا أن هؤلاء المهلكين لا عودة لهم إلى الدنيا بعد هلاكهم؟ {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} أي وأن جميع الأمم
الماضية والآتية ستحضر للحساب والجزاء يوم القيامة بين يدي أحكم الحاكمين، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها؟ قال أبو حيان: وجاءت هذه الجملة بعد ذكر الإِهلاك تبيناً إلى أن الله تعالى لا يترك المهلكين بل بعد الهلاك جمعٌ وحساب، وثواب وعقاب.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1 -التأكيد بأكثر من مؤكد لأن المخاطب منكر مثل {إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} فقد أُكد كل منها ب «إنَّ» و «اللام» ويسمى هذا الضرب إنكارياً.
2 -الاستعارة التمثيلية {إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً. .} الآية شبَّه حال الكفار في امتناعهم من الهدى والإيمان بمن غلت يده إلى عنقه بالسلاسلا والأغلال فأصبح رأسه مرفوعاً لا يستطيع خفاضاً له ولا التفاتاً، وبمن سُدَّت الطُرقُ في وجهه فلم يهتد لمقصوده، وذلك بطريق الاستعارة التمثيلية.
3 -الطباق {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ... ومِنْ خَلْفِهِمْ} .
4 -طباق السلب {أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} .
5 -الجناب الناقص {نَحْنُ نُحْيِي} لتغيير بعض الحروف.
6 -الإِطناب بتكرار الفعل {اتبعوا المرسلين اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} .
7 -الاستفهام للتوبيخ {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً} ؟