إن الحكم بصحة الحديث وضعفه ، لا يرجع إلى ما تشتهيه النفس وترغبه الأهواء ، وكذلك لا يخضع إلى إمكانيات العقول في إدراك ما فيه من مصلحة أو غيرها ، كما أنه لا يخضع لما يمليه البشر من شرقيين وغربيين من آراء ويطلعون علينا من نظريات ، وإنما يخضع لضوابط دقيقة محكمة لا تخفى على ذوي العلم والمعرفة ، مما أشرنا إلى طرف منه ، في الفقرة الأولى ، فإن صح الحديث بالضوابط التي ذكرها علماء الحديث عملنا به ، وقبلناه ، وافق عقولنا أو لم يوافقها ، وافق عليه أرباب الحضارة المادية السائدة هذه الأيام أو لم يوافقوا ، أدركنا الحكمة منه أو لم ندركها ، والذي يهمنا أن نطيع الله ورسوله فيما أمر ونهى ، وبعد ذلك لتفعل العقول البشرية ما تريد أن تفعل من موافقة أو إنكار .
إن ديننا قائم على الإيمان بالغيب ، وهو في مجمله شيء لا تدرك العقول حقيقته ، وقد سلمت به لأنه من أخبار الله تعالى الذي آمنت به . أو من أخبار رسوله الذي شهدت بصدقه وعصمته . فما صح عنهما قبلناه ، وما لا فلا .
ونحن نؤمن بأن العلم مهما سما وتقدم فلن يأتي يوم من الأيام يتعارض فيه العلم مع الدين ، ولكن العلم في نهاية مطافه سنجده خاضعا للدين ، مستسلما له ، يقر له بكل ما ورد فيه.
ولذلك لن نتبع كل ناعق وناهق في الشرق أو الغرب ، ونأتي لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة فنبطلها لأنها لم توافق نظرية من النظريات الحديثة ، كما يفعله أصحاب الحضارات المتهورة أمام الحضارات القاهرة ، يحاولون أن يسايروها بكل ما تأتي به من حق أو باطل ، أما نحن المسلمون فقد أقمنا علومنا على مبادئ ثابتة ، وأسس قويمة ، لا تتغير ولا تتبدل مهما تبدلت ظروف الحياة وتغيرت .