وإنما ترجع الصعوبة في أيامنا هذه إلى بعدنا عن كتب الحديث ومذاكراتها وحفظها ، وإتقانها ، ولا يجوز لنا والأمر هذا أن نعيب كتب الحديث ونصفها بأنها جعلت مهمة الباحث جد عسيرة بل الإنصاف أن نعيب أنفسنا ونصفها بالعجز والقصور ، مما أدى إلى قصورنا عن إدراك أمانينا ، فأنا إذا ما أردت أن أبحث عن مسألة في علم الطب في أحد كتبه مثلاً ، ثم بطأت بي همتي عن الوصول إلى مسألتي لا يجوز لي أن أقول: إن كتب الطب جعلت مهمة الباحث فيه جد عسيرة ، بل يجب أن أقول: إنني لا أعرف كيفية البحث فيه لأني لم أسلك سبيله ولم أرد موارده ولذلك يلزمني أن أسأل طبيباً عليماً عنها وفي هذه الحالة سيطلعني على المسألة بكل ما فيها ، وهو مغمض العينين مطمئن القلب واثق من الوصول إليها والعثورعليها ، ثقة المحدثين عندما يبحثون عن حديث أو بحث في كتاب من كتبه ومصنف من مصنفاته فإنهم يصلون إليه دون جهد أو عناء وبكل بساطة ويسر .
وأما قوله: ويزيد الأمر صعوبة أن من الأحاديث ما صحت متونه ولم تصح أسانيده كما أن منها ما أشكلت متونه وإن سلمت من الطعن روايته - فهذا كلام لا أشم منه إلا رائحة التشكيك فيما لدينا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكأن المراد به أنه ليس ثم ضابط يرجع إليه في معرفة الصحيح من غيره وهيهات ... فإنا لا نعرف علماً عني به العلماء كعلم الحديث ، ولا نعرف علماً وضعت له الضوابط والموازين الدقيقة كالعلم الذي نبحث فيه عن صحيح أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسقيمها