وفي بعض الحالات نجد بعض المتفيهقين أوتي شيئا من المنطق ، وبراعة في التمويه والتعبير ، فيخيل للسامع أن ما يقوله الحق . . على الأقل إلى أن تكشف حقيقته ، ويظهر للناس عواره .
وذلك كالرجل الذي جلس في مجلس الإمام الأعظم أبي حنيفة ، وكان ذا هيئة حسنة في مظهره ، يظن من رآه أنه من أهل العلم ، وأهل ذلك المجلس ، وأبو حنيفة ماد رجله ليستريح ، فلما رآه قبض رجله حياء من وقار ذلك الرجل وهيئته.
ثم شرع يتكلم على حكم صلاة الفجر بعد أن تطلع الشمس ، وأنها تصير قضاء ، وهنا ثار جهل الرجل ونفث على لسانه ما يزعم أنه سيفحم به أبا حنيفة فيما توهم أن أبا حنيفة قد أخطأ فيه .
فقال له مناظراً لا مستفهما: هب أن الشمس طلعت قبل الفجر ، فما العمل ... ؟
وأجابه أبو حنيفة بما يلائم حاله ، فبسط رجليه ، وقال: آن لأبي حنفية أن يبسط رجله .
لقد حدث هذا يوماً ما ، فخلده التاريخ الأدبي للعلم أسطورة من أساطير الجهل والحمق ، إلا أنه لم يكن فيه كذب .
وإني محدثكم الآن عن بعض متفيهقي العصر سوف تنكر عقولكم منه وتقبل ، جمع فيه بطلُه إلى جانب الجهل والحمق كذباً ، وإني سوف لا أتزيد فيه أو أنقص منه إلاَّ مما يكون مما تفرضه الصياغة الأدبية .
لقد دعيت يوماً ما لمقابلة الطلاب الذين رشحوا للدراسة في معهد المعلمين ، والطلاب في كل زمان ومكان فيهم الغث والسمين ، ولكن لا يوجد فيهم من سأذكره لكم .
لقد جاءنا أحد الطلاب ، وكان متخرجا من معهد ديني ، أي يحمل ثانوية شرعية ، ومن خلال كلامنا معه زعم أنه يحيط معرفة بكثير من العلوم ، وأما في علوم الشرع فقد وصل فيها لدرجة الإجتهاد ، فهو لا يقلد أحدا ، فأثار الطالب دهشتنا ، ولفت نظرنا ، لجرأته وغرابة دعواه .
إلاَّ أننا لم نجد معالم هذه الدعوى ، لا في مظهره ، ولا في مخبره ، إذ كان يلحن بلحن العامة ، لا بلحن العلماء ، ولا بلحن طلاب العلم .