فالفاتحة عند الحنفية واجبة في الصلاة ، يثاب فاعلها ، ويعاقب تاركها ، لما ورد فيها من الأحاديث الصحيحة ، ولكنه لا يحكم بكفر تاركها ، لأنه لم تثبت بدليل قاطع ، على ما بيناه في الإصلاح .
فأين إنكار الحنفية لخبر الواحد في قراءة الفاتحة في الصلاة ؟
أليس هذا تجنيا على الحنفية وافتراءً وكذباً ... ؟
بلى ... ولكنه الجهل ...و فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ {الحج / 46}
إن آفة العلم اليوم هي أنصاف المتعلمين الذين يقرئون الكلام فيفهمونه معكوسا كعقولهم المعكوسة ، ومن ثم يذهبون للطعن في العلماء والعظماء .
ولقد قال كليلة لدمنة وهو يعظه:
وأعلم يا دمنةُ أن العقلاء ما زالوا قديماً وحديثاً يكلون الأمور لأربابها ، فلكل مقام مقال ، ولكل فن رجال ، وأن من خاض في فن غير فنه أتى بالعجائب ، وذلك أن العقل إذا فرغ من قاعدة الاستنتاج والاستنباط ، وقصر عن رتبة الفهم والإدراك ، ثم أقحم نفسه فيما لا يحسن ، خرج بجهل مركب من جهلين ، وما مثل هذا إلا كمثل الأرنب الخرقاء مع العلماء .
قال دمنة: وكيف كان ذلك ؟
قال: زعموا أن الأرنب الخرقاء دَبَّتْ إلى مجالس الكون والفلك ، فسمعتهم يتحدثون عن السُدُم والمذنبات في السماء ، وأنهم يقولون: لو أن واحدا من هذه المذنبات ضرب الأرض بذنبه لجعلها هباءً منثوراً بين السماء والأرض .
ففهمت من كلامهم أنهم يتهكمون بذوات الأذناب ، وأنهم جهلة ، لا دراية لهم بحقيقتها ، فتظاهرت بزي العلماء ، وتجملت بمنطقهم ، ثم قالت لهم: ما أجهلكم أيها العلماء ، إنكم تزعمون أن ذوات الأذناب في عداء مع الأرض ، وأنها تريد دمارها ، والحقيقة على خلاف ما توهمتم ، وذلك أن الأرض ما زالت تعيش مع ذوات الأذناب بخير منذ ملايين السنين .
ولتدلل على صدق كلامهم ، وخطأ كلامهم ، أخرجت لهم ذنبها . . ؟ !