ومن هذا يظهر لنا أنهم عندما يقولون: هذا خبر واحد لا يعمل به في العقيدة ، ليس مرادهم إبطال العمل به ، ونفي الإيمان بمضمونه ، وإنما مرادهم أنه لا تثبت به العقيدة التي يكفر جاحدها ، والتي تتطلب القواطع ، لا الظنون .
ولا أظن أن أحداً يخالف في هذا ، حتى الذين ذهبوا إلى أن خبر الواحد يفيد العلم ، وإلاِّ لحكموا على مخالفيهم بالكفر ، فيما ثبت بأخبار الآحاد ، وهذا شيء لم يقل به أحد .
وهذا نظير لما ذهب إليه الأصوليون من الحنفية ، إذ فرَّقوا بين الفرض والواجب ، فقالوا: الفرض ما ثبت بدليل قطعي ، ويكفر جاحده ، والواجب ما ثبت بدليل ظني ، ولا يكفر جاحده ، بل يأثم ويفسق ، مع وجوب العمل بمقتضى الفرض الواجب ، والمعصية بترك العمل بمقتضاهما .
وكأنهم قالوا: الفرض لا يثبت بخبر الواحد المفيد للظن ، أو أن هذا الخبر خبر واحد لا يثبت به الفرض ، لأن الفرض يكفر جاحده ، وما كان هذا شأنه ، لا يثبت بخبر الواحد .
إلَّا أنهم يوجبون العمل بمقتضاه ، ويثبتون به الواجب ، ويفسقون جاحده .
فما الفرق بين قول علماء الأصول هذا ، وبين قول علماء التوحيد ذاك ... ؟
لا فرق بينهما البتة ، وهذه اصطلاحات جرت عليها أمتنا سلفاً وخلفاً دون تشنيع أو نكير.
وهذا هو المذهب الأول ، وهو مذهب الأكثرين في تحديد المراد بالعقيدة وضبطه .
وأما الفريق الثاني من العلماء فقد جعلوا العقيدة هي كل ما يجب اعتقاده ، سواء أكان يكفر جاحده أم لا ، وسواءً أكان ثابتاً بدليل قطعي يفيد العلم ، أم دليل ظني يفيد الظن .
وبناءً على ذلك فهم لا يميزون بين خبر الواحد ، وغيره من الأخبار المفيدة للقطع ، كالقرآن والحديث المتواتر ، ويقبلون الجميع في العقيدة ، لهذا الاصطلاح الخاص بهم أيضاً.