ذهب إلى أن المراد بالعقيدة ما يجب اعتقاده ، مما يميز الكفر عن الإيمان ، فمعتقده يكون مؤمناً ، وجاحده يكون كافراً ، وما كان كذلك لا يمكن أن يكون إلا عن علم ، وهو الإدراك ، الجازم ، المطابق للواقع ، عن دليل .
وهذا لا يتوفر إلا في الخبر المقطوع به ، كالقرآن ، والخبر المتواتر ، فإذا ما جاء الخبر المقطوع به ، ثبوتاً ودلالةً ، أثبتنا به العقيدة ، وكفرنا منكره ، ومنكر ما ثبت به ، لأنه منكر لمعلوم ، ثبت بالدليل القطعي .
وأما أخبار الآحاد فلا تفيد إلا الظن عند الجماهير ، وبناءً على ذلك لا يمكننا أن نثبت بها العقيدة على الاصطلاح المتقدم ، لأنها لا تفيد العلم والقطع ، ولا يكفر جاحدها باتفاق ، ونحن خصصنا العقيدة بما يكفر جاحده من القطعيات لا الظنيات .
ولكن هل معنى هذا أن من جرى على هذا الاصطلاح والمعنى للعقيدة يرد أخبار الآحاد ، ولا يعتقد مضمونها ، كما يتبادر إلى الأذهان من ظاهر هذا الكلام.. ؟
الجواب: لا .
إن ما ورد من أخبار الآحاد في شأن العقيدة ، كعذاب القبر ، ونعيمه ، وسؤال الملكين ، والقيامة الصغرى ، وأشراط الساعة ، وخروج المهدي ، والحوض ، والصراط ، وأوصاف جهنم ، والشفاعة ودخول الموحدين الجنة ، وما أعد لهم فيها من أفراد النعيم ، مما لم يذكر في القرآن ، وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي شحنت بها كتب العقيدة عند الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة ، إن ما ورد من هذه الأخبار ، يجب الإيمان به ، ويفسق جاحده ، لأنه خبر واحد يجب العمل بمقتضاه ، والإيمان بمضمونه ، إلا أننا لا نسميه عقيدة ، ولا نحكم بكفر جاحده أو مؤوله ، لأنه لم ينكر شيئاً من العقيدة الثابتة بالقواطع بل نحكم عليه بالإثم والفسوق والعصيان .
وبناءً على ذلك لم يُكَفَّر المعتزلة في إنكارهم لكثير من المغيبات وتأويلها ، مما ثبت بدليل ظني ، وإنما حُكَِم عليهم بالفسق والعصيان.