إلا أنهم يميزون ما يجب اعتقاده ، فبعض ما يجب اعتقاده يكفر جاحده ، وهو ما ثبت بدليل قطعي في ثبوته ودلالته ، وبعض ما يجب اعتقاده لا يكفر جاحده ، وإنما يأثم ويعصي ويفسق ، وهو ما ثبت بدليل ظني في ثبوته أو دلالته .
وهذا نظير لما ذهب إليه جمهور علماء الأصول ، من عدم التمييز بين الفرض والواجب ، إذ قالوا: هما سواء ، وهما ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه عمداً ، سواء أثبتا بدليل قطعي أو ظني.
إلا أنهم ميزوا بين الواجب الذي ثبت بدليل قطعي ، فحكموا بكفر جاحده ، والواجب الذي ثبت بدليل ظني فحكموا بفسق جاحده وعصيانه ، دون كفره .
فالخلاف خلاف لفظي ، وليس خلافاً حقيقياً ، ولا مشاحة في الاصطلاحات ، فالنتيجة واحدة يقيناً .
وخلاصة الكلام أن الأمة قد اتفقت سلفاً وخلفاً ، على أن خبر الواحد يجب العمل به ، كما يجب اعتقاد مضمونه .
إلاَّ أن الخلاف فيما يسمى عقيدة ، فمن ذهب إلى أن العقيدة هي ما يكفر جاحده ، قال: هذا لا يثبت إلاَّ بما يفيد القطع ، وأما ما ثبت بما يفيد الظن ، فلا يسمى عقيدة ، ولكن يجب الإيمان بمضمونه ، على أنه من قبيل العمل ، ويعصي جاحده ، ويستحق العقاب ، ويحكم عليه بالفسق إلاّ أنه لا يكفر .
ومن ذهب إلى أن العقيدة هي ما يجب اعتقاده ، سواءً أثبت بخبر الواحد المظنون ، أم بالخبر المتواتر المفيد للعلم ، قال:
إن خبر الواحد تثبت به العقيدة كالمتواتر ، إلاّ أن بعض هذه المعتقدات يكفر جاحدها ، وهي ما ثبت بدليل قطعي ، وبعضها يعصي جاحده ، ولكن لا يكفر ، وهي التي ثبتت بدليل ظني .
وبناءً على هذا فجميع علماء التوحيد يتفقون على أن ما ثبت بدليل قطعي يكفر جاحده ، وأنه يسمى عقيدة ، وأن ما ثبت بدليل ظني ، لا يكفر جاحده ، ولكنه يعصي ويفسق ، إذ يجب العمل بمضمون خبر الواحد ، ولكن هل يسمى عقيدة أم لا ؟
فالخلاف في التسمية وليس في الحقيقة والجوهر ، والنتيجة واحدة .