وقال الآخرون: إنكم مغرورون، سفهاء لا تعقلون، ما لنا مولى ولا يؤمنا أحد ولقد كانت هذه الدار قبلنا لأمثالنا، وما نرجو من أحد حسناً ثواباً، ولا نخاف إنساناً عقاباً.
وقال بعضهم: بلى إنا لنا مولى، ولكنه وجد الات الدار وما فيها حاضرة، فركبها ونظم بعضها بعضاً، لم يكن يقدر على أحسن منه، ولا على صنع دار أكبر من ذلك.
فهؤلاء الفلاسفة الذين سموا أنفسهم حكماء، وأصحاب المجسطي والإقليدسيون.
والأولون في القرآن بالليل والنهار، فيتبعون السنن والآثار.
فلينظر العاقل بعقله في بعد ما بين الفريقين، ولنستعذ بالله من أسوأ المثلين وما فيه العصمة.
وأما علم الألحان وتأليفها.
فإن الأوائل المحتجين إلى الحكمة سموه العلم الأوسط، وعدوه ثاني علم التوحيد.
وجعلوا الثالث على الأبدان والطب، وقد أبطلت الشريعة حكم العلم واسمه، وشرفه على تأليف الألحان وألحقته باللهو، وحكمت عليه بحكم الباطل واللغو وهو الذي يقول: إن جهله خير من علمه.
لأن الذي يعلمه من زمان صنيعه، إما بتعليم غيره، وإما باستعمال ما يعلم منه، وكل ذلك تضييع للعمر واستفاء دله بالباطل وإنما أذن للناس في تحسين الصوت بالقرآن من غير معنى فيه، ورخص في الحداء ونشيد الإعراب.
فأما ما جاوز ذلك مما لا يراد به إلا للتطرب، ولا يستعمل إلا في غزل، وإذا أريدت المبالغة فيه، استعين عليه بتحريك الأوتار ونحوها، فإنه لهو باطل، وإن ما عمل كان بنفسه لهواً وباطلاً لم يكن العلم به شرفاً والله أعلم.
وأما علم الصناعات: فإنه لمصالح المعاش الذي فيه يتمكن من العبادة، فهو تابع لعلم الدين، كما أن علم الأبدان تابع له.
فثبت بجميع ما وصفنا أن العلم المطلق المستحق للشريف والتفضيل علم الدين وبالله التوفيق.
وسمعت أحد علماء الطب يدعي أن أشرف العلوم بعد علم التوحيد علم الطب، ويحتج بحجتين، إحداهما أنه علم متفق عليه، ليس في العقلاء أحد لا يبيحه، والثاني أنه يشتق لله تعالى منه اسم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «طبيبها الذي خلقها» ولا يشتق له في الفقه واللغة والنحو والتنجيم قط.
فصح أن الطب أفضل العلوم.
والجواب: أن ما ادعاه من أن علم الطب متفق عليه، فليس كذلك، وقد ذهب كثير من الناس إلى أن علم الطب لا يجري فيه القياس، وإنما هي تجارب.