أنْ كان ينقل الماء من الآبار والأنهار، ويتحمل في سبيل ذلك المشاق، فلما أعمل عقله في بدهيات الكون ترقَّى وجنى ثمرة هذا الترقِّي.
لذلك تجد أن أعقد النظريات العلمية والالكترونية مأخوذة في بدايتها من بدهيات، وقلنا في علم الهندسة إنك تبرهن على صدق النظرية المائة باستخدام النظرية التسعة والتسعين، وهكذا حتى تصل إلى النظرية الأولى، وهي قائمة على بدهية من بدهيات الكون، لا تختلف فيها العقول. لذلك دائما يدعونا الحق سبحانه إلى التفكُّر والتأمُّل والتدبُّر .. الخ وما توصل إليه البشر الآن من آلات ووسائل حديثة مثل الغسالة، والثلاجة، والتلفاز .. الخ ما هي إلا ثمرة هذا الفكر الذي رقَّى البدهيات، حتى وصل بها إلى ما وصل إليه الآن، ومَنْ أراد أن يقف على هذا الترقي، ويرى قدرة الله في توارد الصناعات وارتقاءاتها من حلقة إلى حلقة فليذهب إلى ديترويت ليرى هناك معرض فورد الذي يضم ارتقاءات الصناعات من إبرة الخياطة للصاروخ. إذن الكون فيه أسرار يكتشفها الإنسان، ولكل سرٍّ ميلاد يظهر فيه، إما نتيجة بحث للإنسان أو حتى صدفة، ومن لُطْف الله تعالى أن الملاحدة لما اكتشفوا بعض أسرار الكون قالوا اكتشفنا، ولم يقل أحد منهم اخترعنا. وكأن الله تعالى صرفهم وألهاهم عن النطق بكلمة الاختراع ولوى ألسنتهم حتى لا يجترئوا على الله، فالجاذبية مثلاً موجودة منذ خُلِقت السماوات والأرض، ودور الإنسان أنه اكتشف هذا السر لذلك الذي يقول اخترعت نقول له هذا كذب والصواب أنك اكتشفتَ. وقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} فاطر 28 عزيز لا يُغلب، وغفور لكم إنْ بدر منكم سهو أو تقصير في استنباط أسرار الله في كونه، يغفر لهم إنْ أخطأوا في تجربة من تجاربهم، فسوف يأتي مَنْ بعدهم ويصححها. ثم يقول الحق سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ ... } . انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ 12490 - 12499} .