والمشهور في الصحيحين وغيرهما أن عائشة استدلت بهذه الآية على رد رواية من روى من الصحابة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نادى أهل قليب بدر، وهو من الاستدلال بالعام على رد الخاص، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له إنك تنادي أجساداً بالية: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.
وفي مسلم من حديث أنس: إن عمر بن الخطاب لما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يناديهم فقال: يا رسول الله تناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله: إنك لا تسمع الموتى، فقال"والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يطيقون أن يجيبوا"ثم وصفهم بالعمي فقال:
(وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) لفقدهم للانتفاع بالأبصار كما ينبغي، أو لفقدهم للبصائر (إن) أي: ما (تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) لكونهم أهل التفكر والتدبر، والاستدلال بالآثار على المؤثر (فهم مسلمون) أي منقادون للحق متبعون له، وفيه مراعاة معنى: (من) .
(الله الذي خلقكم) ذكر سبحانه استدلالاً آخر على كمال قدرته، وهو خلق الإنسان نفسه على أطوار مختلفة، كما قال: (من ضعف) أي: بدأكم وأنشأكم على ضعف، وهو مصدر، ضد القوة، قال الواحدي: قال المفسرون: من نطفة كقوله: من ماء مهين، أي: ذي ضعف، وقيل: المراد حال الطفولية والصغر، فهذه أحوال غاية الضعف، قرئ: ضعف بضم الضاد في هذه المواضع، وبفتحها، وهما سبعيتان. قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم؛ قال الجوهري: الضعف خلاف القوة والصحة، وقيل: هو بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسم، وأجاز الكوفيون ضعف بفتحتين.
(ثم جعل من بعد ضعف قوة) وهي قوة الشباب، وبلوغ الأشد، فإنه إذ ذاك تستحكم القوة، وتشتد الخلقة إلى بلوغ النهاية.