توجد عندها صور من العلوم لا تطلب بها غايتها، وبقايا من الرسوم لا تجني منها
فائدتها.
سكون الزوج إلى الزوج سبب من أسباب سعادة الزوجين، وهناء معيشتهما
خاص بهما لا يشاركهما فيه أحد من الأقربين والمحبين، وأما المودة بينهما فهي من
أسباب سعادة عشيرتهما أيضًا؛ لأنها متعدية؛ فهي مبعث التناصر، والتوازرد
والتعاضد والتساند وبهذا تكون سببًا من أسباب سعادة الأمة المؤلفة من العشائر
المؤلفة من الأزواج فهذا التأليف هو الذي يتكون من مزاج الأمة فما يكون عليه من
اعتدال وكما يكون كمالاً في بنية الأمة وقرة عين لمجموعها وما يطرأ عليه من فساد
واعتلال يكون مرضًا للأمة يوردها موارد الهلكة.
إن الإنسان ليشعر بحاجته في كماله إلى الأمة وبحاجتها إليه في ذلك على قدر
قوة معنى الإنسانية فيه؛ فأدنى أفراد الإنسان حظًّا من الإنسانية لا يشعر بحاجته إلى
أحد ولا بحاجة أحد إليه إلا من تقوم بهم شؤون حياته الشخصية، فهو ينظر إلى
زوجة في البيت بالعين التي ينظر بها إلى شريكه في السوق أو معامله في الحقل،
وهي عين المبادلة في المنفعة وطلب الربح؛ فإذا قدرعلى استبدال زوج مكان زوج
يكون به حظه من التمتع أوفر، أو مكافأته له بالنفقة وغيرها أقل، فهو يقدم على
ذلك فرحًا راضيًا، كما يستبدل عاملاً بعامل، وشريكًا بشريك، وأجيرًا بأجير إذا
رأى أن الجديد أنفع له من القديم. فمثل هذا لا يمتد وجوده إلى ما وراء محيط
جسمه، فلا يتحقق فيه معنى الزوجية الذي هو عبارة عن حقيقة مؤلفة، فردين
يعيشان بروح واحدة، وإذا لم يصل في سعة الوجود إلى أن يكون زوجًا أعلى من
حياته الفردية، ووجودًا أوسع من وجوده الشخصي، وإذا صغر عن هذا فإنه يكون
أصغر وأحقر من أن يشعر بمعنى الوجود القومي والحياة الملية؛ التي ترفع صاحبها
إلى الشعور بأن كل عمل من أعمال يجب أن يكون نافعًا لأمة عظيمة وأن مجموع
أعمال العاملين في هذه الأمة يلحقه شرفه إذا كان شريفًا، وتصيبه خسته إذا كان
خسيسًا، وهذا هو شأن الإنسان الكامل فمودة الأهل هي أول مجالي الإنسانية الكاملة،
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) رواه