طريقه هذه الخواطر إن هي طافت بهذه العقول الضعيفة، والقلوب الميتة التي أعوزتها البصيرة والعزيمة، فلم تجدهما في وراثة ولا تربية. وفي هذا الاندفاع
خطر عظيم على الأمة، كنا ولا نزال نحدث الناس به؛ فيقبله المعتدلون وينبذه
الغلاة في التفرنج، وقد أتيح لنا في هذه الأيام ما يقنعهم وهو ما قاله اللورد كرومر في
تقريره عن مصر لسنة 1904، وإننا نذكره هنا لأن بحثنا في الحياة الزوجية إنما
هو من حيث هي ركن لحياة الأمة وسعادتها أو عكس ذلك. قال:
تعليم البنات
(كثيرًا ما أسمع الناس يقيمون الحجج والأقيسة على حمل بعض المسائل
السياسية والإدارية في بَر مصر ويبنونها على فرض أن المصريين لا يزالون
متصفين اليوم بصفات أجدادهم وخصائصهم. وعندي أن هذه الحجج والأقيسة لا
تخلو من سفسطة. فالتغير حاصل ولست أقصد أن أعظمه أو أبالغ فيه، وإنما أقول:
إنه لا يمكن أن كل خلق وصفة من الأخلاق والصفات القومية يتغير تغيرًا تامًّا في
ربع قرن، ولو أمكن ذلك لما كان مستحسنًا؛ لأنه يخشى في مثل هذا التغير السريع
أن يذهب الحَسَنُ من الأمة بجَرِيرَةِ الرديء. ولكن ليكن معلومًا عند الحكام
المصريين وعند كل من له اتصال بأمور مصر أن هناك قوات عاملة قد أثرت في
أخلاق المصريين القومية فغيرتها بعض التغير، وستغيرها أكثر من ذلك على مر
الأيام. وهذه القوات العاملة معظمها يعمل تَدْرِيجًا ويغير رويدًا رويدًا حتى لقد يخفى
عمله عن عيون المراقبين في بعض الأحوال، ولكن بعضها يعمل سريعًا، حتى لقد
غيَّر تغييرًا ظاهرًا محسوسًا.
ومن الشواهد على ذلك تعليم البنات؛ فإن الرأي العام المصري تغير في
هذه الأعوام الأخيرة تغيرًا كليًّا في هذه المسألة الجوهرية العظيمة الشأن. ومما
يزيدنا استعظامًا لهذا التغير في الرأي العام أنه آخر ما كان الناس - حتى الذين
يراقبون منهم أخلاق أهل الشرق أدق مراقبة - يتوقعون حدوثه بمثل ما حدث من
السرعة؛ نظرًا إلى الآراء المعهودة عن مقام المرأة في بلاد مصر. ولكن مصر بلاد
العجائب والغرائب، فلا عجب إذا كَذَّبَ أهلها نبوءات المصلحين الاجتماعيين