بعض رجال الدين منهم؛ فتدخل إحدى النساء فيحولون الحديث لكيلا تسمع انتقادهم
فيقل احترام الدين من نفسها ويضعف الشعور به في قلبها. ولا تجد جزءاً من هذه
العناية عند المسلمين الذين جهلوا الدين فأهملوه، بل ولا عند الذين سلم
اعتقادهم وحسن عملهم. وكل ما عند النساء المسلمات من الدين فهو من تقليد
الذين نشأن فيهم وتربين بينهم ليس للرجل فيه عناية ولا عمل، ويا ليت فساق قومنا
وزَنَادِقَتهم يكتفون بإهمال تربية النساء على آداب الدين، وتعليمهن أحكامه، ولا
يُظهرون لهن ما هم عليه من الفساد والإلحاد، فقد حدثني كثيرون من الثقات
المختبرين أن كثيرًا من المسلمين (الجغرافيين) يجتمعون مع عيالهم لطعام الغداء
بعد الظهر في شهر رمضان، وأن منهم من يتزوج بالمرأة فيكرهها على
شرب الخمر معه، وأخبرني شيخ من أهل القاهرة أن رجل تزوج ببنت من أقاربه -
أي أقارب الشيخ- فدعاها إلى شرب الخمر معه فأبت ولما أعياه إلزامها طلقها.
وأغرب من هذا ما يتحدثون به عن بعض أصحاب البيوت أو البيوتات من إشراك
البنات مع الرجال في معاقرة الخمر، ومن إحضار أهل الرقص والعزف من
الرجال والنساء إلى البيوت واجتماعهم في بعض الحجرات على المعاقرة
والمخاصرة، والنساء يسمعن وينظرن من وراء السجوف والأستار.
يظن الكثيرون من فساق البلاد المشرقية أن الدين في أوربا قد صار نسيًا
منسيًّا، وأن ذلك لم يزد أممها إلا ارتقاء؛ لأنه أثر الارتقاء؛ وذلك أن هؤلاء لا
تتوجه نفوسهم ولا يهديهم استعدادهم إلا لمعرفة أمثالهم، والصواب أن أكثر أهل
أوربا متدينون، وإنما أبطلوا التقاليد النصرانية التي تنافي العمران والارتقاء؛ لأنها
ليست إلا من وضع الرؤساء؛ وهم مع ذلك أشد الناس تعصبًا لدينهم، وعلى من
يخالف دينهم، ولا ينافي ذلك كثرة الفسق في بلادهم لا سيما التي تغلب فيها
الكاثوليكية كفرنسا وإيطاليا؛ فإن من الأسباب في ذلك المذهب -الذي يعد من
أصوله-: أن القسوس والرؤساء يغفرون الذنوب، كما أن من أسبابه: الحرية
الشخصية، وعدم النكير، وإباحة الخمر (أم الخبائث) ولقد يسهل على الفاسق أن
يجد كثيرًا من الفاسقين والفاسقات في كل المدن العظيمة في الأرض، حتى ما كان