المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، ومع ذلك فإن المقصود الأول به والله أعلم،
أنه يخرج الروح الحي من الجسم ويخرج الجسم من الروح، أي: يفرق بينهما
بالموت، والروح أبدًا موصوف بالحياة، والجسم هو الموصوف بالموت، وهو
أرض الحيوان.
ثم قال: (وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي: ينزل الماء من السماء إلى الأرض،
فتهتز بالنبات وحدائق الجنات، ثم قال: (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) يريد -
وهو أعلم - كذلك ينزل الله عليها الماء من تحت العرش، ماء كمنِيِّ الرجال، فينبت
الأجسام كما ينبت البقل، ويرسل الأرواح الحية إلى الأجسام الحيتة (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ(68) .
(فصل)
هذه سبع مطالب مؤدية إلى سبعة علوم بما تبعها، الآخرة المطلوب الأعظم،
والحق المخلوق به السماوات والأرض، وأن كل شيء إلى أجل مسمى، والبداية
والإعادة والإرجاع إلى الله - جل وعز - والساعة حق والجنة والنار، أتبع ذلك سبع
آيات دالات على ما ذكره مبينات للحق الذي فرضه.
قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ(20)
أقام الدلالة بقوله الحق على تحقيق ما ذكره من قوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ
مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19)
يقول - عز من قاتل: ومن آياتي على ذلك أن خلقتكم من تراب حيث
لا حياة به (ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) .
ثم قال وقوله الحق: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا
إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ... (21) . بيَّن بهذه مراده في قوله الحق:(أَوَلَمْ
يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ)لذلك قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
وفي هذا التفكر مطلع يشرف به متذكره على العلم العلي الرفيع.
ثم قال: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ...(22)