أي: إن الدائرة ترجع عليهم بمثلما كانت لهم، فقد غُلبوا ثانية، وهي التي كانت سنة
تسع وثمانين، وبقي الوعد الكريم بأنهم سيغلبون، فرجعت هذه الغلبة عليهم ثالثة
ثلاثة، أولهن غلبة الصحابة إياهم، والغلبة التي لهم اليوم ثانية للغلبة التي كانت
لهم، التي لم تبلغ مثل هذه، والحال التي كانت لهم وقت نزول القرآن ورسول الله
-صلى الله عليه وسلم - بمكة حال سادسة.
ومن تدبر دوائر التقدير في اختلاف الليل والنهار واختلاف الأزمان، وتقلب
الكيان في ذلك في تغير الأحوال من الإدالات والزيادة والنقصان عساه أن يقف
على بعض العلم بذلك وما يحصل من ذلك، هو من أنفع فوائد اليقين بتمام
الآماد، وكمال الآجال، ووجوب ظهور اليوم الآخر، وتحقق العلم بالبعث والوعد
والوعيد إلى ما وراء ذلك.
وقد يمكن أن يكون معنى قوله على قراءة من قرأ بكسر اللام وفتح الياء: أنهم
تكون لهم غلبة في بضع سنين كما تقدم في بضع أسابيع سنين ويكون معنى قراءة
من قرأ برفع الياء وفتح اللام، أي: أنهم سيغلبون في بضع سنين.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وذكر المهدي فقال:"يملأ الأرض عدلاً وقسطًا كما ملئت"
جورًا وظلمًا، يعيش فيكم سبع سنين وفي أخرى تسع سنين"فيكون ذلك إخبارًا"
عن غلبتنا لهم يومئذٍ، لأنها كرَّة نبأ عليهم، وفرة منهم ليست لهم كرَّة في تلك
المدة إن شاء الله تعالى وما تقدم ذكره فصحيح، والحمد لله رب العالمين.
فيكون تقدير الكلام: (غُلِبَتِ الرُّومُ(2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ)
أي: في الثالثة (سَيَغْلِبُونَ(3) فِي بِضْعِ سِنِينَ) إخبار
عن غلبة المسلمين لهم بالإمام العدل - رضي الله عنا وعنه - وقد جاءت الأخبار
بذلك - والله المستعان.
أتبع ذلك قوله: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4)
بِنَصْرِ اللَّهِ). أخبر - جل ذكره - بما يكون لهذه الأمة وعليها من
وقائعها مع الروم، ثم أشار إلى اقتراب الانقراض من آخر وقائعها وهي غلبة