فكذلك قول الله جل ذكره: (غُلِبَتِ الرُّومُ) هو إخبار وبشارة منه عن
التقدير المقدر لظهور الكائن، فكان ذلك زمان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - غلبهم على
بلاد الشام واستخرج بيت المقدس عن أيديهم.
وقال: (فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ) والبضع من الثلاث إلى التسع، وكان نزول هذه
السورة بمكة، فكان ذلك في داخل بضع أسابيع سنين على رأس عشرين إلى ثمان
وعشرين سنة، ثم لم يزل الفتح بعد ذلك يتسع ويتصل إلى نهاية سبقت في التقدير.
ثم قال عز من قائل: (وَهُمْ) يعني: الروم (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ)
أي: أنهم غلبوا ثم هم يغلبون ومن بعد غلبهم هذا سيغلبون؛ أي: أنهم
إذا غلبوا يُغلبون ثم يَغلبون، فأخبر عن حكم دوائر حكم التقدير أن لهم غلبتين ولنا
غلبتان سوى الغلبة الأولى منهم لنا في تلك الأرض هي المقابلة لغلبة الصحابة
داخل تسعة وأربعين أو خمسين أسبوعًا، وهي سبع أسابيع في مثلها وفي ضمن
سبع في تسع، ولم تبلغ هذه الغلبة إلا إلى ثغور أرض الشام.
ثم كانت للمسلمين كرة فانتزعوا عن أيديهم ما كانوا أخذوه واستولوا على
جلِّ بلاد"أرمينية"ثم أديلوا بغلبة ثانية عام تسعة وثمانين وأربعمائة، فغلبوا على
أرض الشام كلها وعلى بيت المقدس؛ وذلك عند آخر السنة السادسة التي هي من
ألف شهر من شهور العرب، تصديقًا لقوله: (فِي بِضْعِ سِنِينَ) التي سادس أيامها
رأس الخمسمائة سنة، ثم إلى تمام الخمسمائة وثلاث ومائتين سنة، وثلاث سنة
تمام سبع سنينها ونحن في عام اثنتين وعشرين وخمسمائة.
ولما كانت القراءة الأخرى دليلاً آخر، إذ هي عند جميع العلماء بمثابة أخرى
لكونهما سيان في وجوب الاستدلال بهما والتصديق لهما، كان قوله أيضًا
(غُلِبَتِ الرُّومُ(2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)
بفتح الغين واللام إخبارًا منه عن غلبتهم المسلمين التي كانت داخل تسعة وأربعين
أسبوعًا، ثم تجاوز بالذكر غلبتنا عليهم إثر ذلك، وقد تقدم ذكرها للمعهود من
وجوب دوائر حكم التقدير.
تم قال: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) أي: غلبهم للمسلمين (سَيَغْلِبُونَ)