قيل لك: ان الله تعالى كما كلّف الجزء الاختياريَّ بكسبه تشكيل عالم الأفعال الاختيارية ؛ كذلك جعل التكليف سبب اسقاء وانبات البذور الغير المحصورة المودوعة فِي روح البشر. ولولاه لبقيت الحبوبات يابسة. وإذا تأملت فِي أحوال النوع بنظر نافذ رأيت كل ترقيات الروح المعنوية ، وكل تكملات الوجدان الإلهية ، وتكملات العقل ، وترقيات الفكر المثمرة بدرجة تحير فيها العقول انما وجدت كافة بالتكليف.. وإنما استيقظت ببعثة الأنبياء.. وإنما تلقحت بالشرائع.. وإنما ألهمت من الأديان. ولولاها لبقي الإنسان حيوانا ولانعدمت هذه الكمالات الوجدانية وتلك المحاسن الاخلاقية. أما القسم القليل فقبلوا التكليف اختيارا ففازوا بالسعادة الشخصية وصاروا سببا للسعادة النوعية. وأما القسم الكثير كميةً فهم وان كفروا بقلوبهم وفيما هم فيه مختارون لكن لما لم يكن كل حال كل كافر كافراً وكل صفته كافرة يابسة كانوا بسبب ايقاظ البعثة للحسِّيات الوجدانية ، وتنبيه النبوة للسجايا الاخلاقية ، وبتسامع الشرائع ، وتعارف آثارها بحيث قد قبلوا أنواعاً من التكليف اضطراراً.
فان قلت: سعادة القليل مع شقاوة الكثير كيف تكون مظهراً لسعادة النوع حتى تكون الشريعة رحمة ، مع ان سعادة النوع انما تكون بالكل أو الأكثر ؟