وان نظم جملة (فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم) هو: انه لما ذكر فِي الأولى المدعى ، أشار بهذه إلى طريق دليله. وكذا رمز وأومأ إلى وجه دفع الأوهام ، أي من نظر بنور الإيمان ومن جانب الله تعالى ومن جهة قدرته جاعلا حكمته وعنايته وربوبيته نصب العين ، علم انه حق وبلاغة. وأما من نظر من جانب حضيض نفسه ، ومن جهة الممكنات ، فلا جرم ستهوي به الأوهام.. ومثلهما كمثل شخصين صعدا منحدراً رأيا جداول ماء. أما أحدهما فيصعد ويرى رأس العين ويذوق فيعلم ان الماء كله عذب ؛ فكلما يصادف قطعة ماء من تفرعات الجداول
يتفطن - ولو بامارة ضعيفة - انه عذب ، فلا تقدر الأوهام ولو قوية على تغليطه. وأما الآخر فيتسفل وينظر من جانب التفرعات ولا يرى منبع العين فيحتاج لمعرفة عذوبة كل قطعة ماء إلى دليل قطعي. فأدنى وهمٍ يُورطه فِي الشبهة. أو كمثال شخصين بينهما مرآة ينظر أحدهما إلى الوجه الشفّاف ، والآخر إلى الوجه الملوّن.
والحاصل: انه لابد فِي النظر إلى صنعه تعالى ان ينظر إليه من جانبه تعالى مع ملاحظة عنايته وربوبيته وليس هذا النظر الا بنور الإيمان ولا تكون الأوهام حينئذ - ولو قوية - إلا أوهن من بيت العنكبوت. ولو نظر إليه من جهة الممكنات بنظر المشتري وبفكره الجزئي لقويت فِي عينه الأوهامُ الضعيفة فيتستر عنه الحقيقةُ كما يمنع جناحُ بعوضةٍ رؤية العين لجبل الجوديّ.