قال أبو حاتم: وذاك أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار وأمره أن يقول له: أجب ربك أمر اختبار وابتلاء لا أمرًا يريد الله عز وجل إمضاءه كما أمر خليله صلى الله على نبينا وعليه بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء دون الأمر الذي أراد الله عز وجل إمضاءه فلما عزم على ذبح ابنه وتله للجبين فداه بالذبح العظيم.
وقال البغوي: فلما دنت وفاته وهو بشر يكره الموت طبعًا، ويجد ألمه حسًا، لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة، ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه به قهرا، لكن أرسله له منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر.
فلم يقل أحد من علماء المسلمين أن ملك الموت عمى ربه جل وعلا. ولم يذكر في الحديث أي مخالفة أو عصيان من ملك الموت لله سبحانه وتعالى.
قال الله عز وجل عن الملائكة: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] .
قال ابن كثير: أي: مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه، لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه.
وقال المازري والقاضي عياض: وليس في الحديث تصريح بأنه تعمد فقء عينه فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاءه ثانيا بأنه ملك الموت، فالجواب: أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت فاستسلم بخلاف المرة الأولى والله أعلم.
الوجه الرابع: الأنبياء عندنا معصومون خلاف ما تعتقدونه.
إن الأنبياء عندنا معصومون من الكبائر والصغائر خلاف ما يعتقده المخالفون بأن الأنبياء يقع منهم ما يقع من عامة الناس من شرك، وزنا، وسب، وغير ذلك مما هو في كتبهم وعقائدهم معلوم. ولا شك أن موسى - عليه السلام - رسول مقرب، بل وكرمه الله رب العالمين بأن جعله كليمَه سبحانه وتعالى. وهو أيضًا عندنا من أولي العزم الخمسة الذين اصطفاهم الله على أنبيائه أجمعين. وإليك ما قاله الله لموسى - عليه السلام - حيث: قال الله عز وجل لموسى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) } [طه: 41] .
قال ابن كثير: أي: اصطفيتك واجتبيتك رَسُولا لنفسي، أي: كما أريد وأشاء.