تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أي هذه آيات من الكتاب الواضح الجلي الكاشف لحقائق أمور الدين، وما كان وما يكون.
نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي نذكر لك الأمر على ما كان عليه حقا وصدقا كأنك تشاهد، وكأنك حاضر، من أجل قوم يصدقون برسالتك وبما أنزل إليك من ربك، فتطمئن به قلوبهم، كقوله تعالى:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف 12/ 3] .
وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة شيئا أو بعضا من قصة موسى وفرعون، للعبرة والعظة، وإقامة الدليل على صدق نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم، وأن هذا القرآن العظيم وحي يوحى، وليس من وضع البشر.
وتخصيص المؤمنين بالذكر مع أن القرآن للناس أجمعين للإشارة إلى أن الانتفاع به لا يكون إلا لمن صدق بأنه كلام الله المنزل على نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم.
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ أي إن فرعون ملك مصر تجبر في أرضها واستكبر، وبغى وطغى وقهر أهلها.
وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً أي جعل أبناء مصر فرقا وأحزابا مختلفة، وسخر كل طائفة في مصالحه العمرانية والزراعية وغير ذلك من أمور دولته، وبذر بينهم بذور الفتنة والعداوة والبغضاء، حتى لا يتفقوا، أخذا بسياسة المستعمر: «فرّق تسد» .
وهذا مضاد لسياسة الإسلام- بالمعنى العام- والهدي الإلهي كله القائم على التأليف والجميع على قلب واحد، وإشاعة روح المحبة والتسامح والود والوئام
والصفاء بين الرعية، وهذا في الواقع هو المبدأ الأمثل الذي يريح الحاكم، ويقوّي الأمة، ويبني أمجادها، ويحقق لها الانتصارات المتلاحقة.
يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ أي يجعل جماعة منهم أذلة مقهورين، وهم بنو إسرائيل. ومظاهر الاستضعاف هي:
يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي يقتل مواليدهم الذكور، ويبقي إناثهم أحياء، إهانة لهم واحتقارا، وخوفا من وجود غلام منهم كان فرعون وأهل مملكته قد تخوفوا من ظهور غلام منهم يكون سبب هلاكهم وذهاب دولتهم على يديه، وذلك لأن الكهنة قالوا له: إن مولودا يولد في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو قال المنجّمون له ذلك، أو رأى رؤيا، فعبّرت كذلك.