ودل كلامهم على أن القص: تتبع الأثر مع التعرف؛ كما قال المبرد.
قوله: {فَبَصُرَتْ بِهِ} قال ابن عباس: أبصرته.
قال المبرد: بصرت بالشيء، وأبصرته واحد في المعنى. والفصل بينهما مع اجتماعهما في المعنى أن: بصرت به، معناه: صرت بصيرًا بموضعه. وهكذا فعلت، معناه: انتقلت إلى تلك الحال. قوله تعالى: {عَنْ جُنُبٍ} أي: عن بعد. وهو مصدر، ثم وصف به. وكذلك قالوا: رجل جنب، ورجال جنب، ومنه قوله تعالى: {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] وقد مر.
وقال المبرد: وقد يجمع أجنابًا، كما تقول في شُغل، وهو مصدر مثله: أشغال. قالت الخنساء ترثي:
فابْكي أخاكِ لأيتامٍ وأرملةٍ ... وابكي أخاكِ إذا جاورتِ أجنابا
قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير {عَنْ جُنُبٍ} قال: عن جانب.
وقال مجاهد: عن بُعد. وقال عكرمة وقتادة: بصرت به وهي مجانبة لم تأته.
وقال مقاتل: {عَنْ جُنُبٍ} كأنها مجانبة له ترقبه، وعينها إلى التابوت وهي معرضة عنه بوجهها. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: أبصرته من شق عينها اليمنى.
وقال أبو إسحاق: {عَنْ جُنُبٍ} أي: عن بُعد، تُبصره، ولا تُوهم أنها تراه.
وقال ابن قتيبة: {فَبَصُرَتْ بِهِ} من بُعد منها عنه، وإعراض لئلا يفطنوا، والمجانبة من هذا. وقال الفراء: يقول: كانت على شاطئ البحر حين رأت آل فرعون قد التقطوه. ولم يذكر الفراء ما ذكره غيره من أنها تجتنب أن يفطنوا بها؛ واقتصر من تفسير قوله: {عَنْ جُنُبٍ} على البعد فقط. وليس المعنى في قوله: {عَنْ جُنُبٍ} بُعد المسافة كما توهمه؛ وإنما هو: التباعد والمجانبة أن يعلموا بحالها، وأنها ترقبه، كما ذكره المفسرون، وأهل المعاني، ولا تستعمل الجنب والجنابة في بعد المسافة، ألا ترى إلى قول علقمة بن عبدة:
فلا تَحْرِمَنّي نائلًا عن جَنَابةٍ ... فإني أمرؤٌ وَسْطَ القِبابِ غريبُ