والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ، ويذم واشتقاقه من الحياة ، يقال: حيي الرجل كما يقال نسي وحشي إذا اشتكى النسا والحشا ، وكأن الحيي صار منتقص القوة منتكس الحياة وقد عرفت فِي الأسماء الحسنى ، أن أمثال هذه الصفات إنما يجوز أن تطلق على الله تعالى بعد الإذن الشرعي باعتبار النهايات لا باعتبار المبادئ . فحديث سلمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً"إنما جاء على سبيل التمثيل لأنه مثل تركه تخييب العبد بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه . ومعنى قوله {إن الله لا يستحيي} أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها . ويجوز أن تقع هذه العبارة فِي كلام الكفرة فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت؟ فجاءت على سبيل المقابلة والطباق ، وهو فن بديع قال أبو تمام:
من مبلغ أفناء يعرب كلها ... أني بنيت الجار قبل المنزل
فلولا بناء الدار لم يصح بناء الجار ، وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه:
إذا ما استحين الماء يعرض نفسه ... كرعن بسبت فِي إناء من الورد