التآلف فِي الألفاظ والمعاني:
56 -التآلف فِي الألفاظ ، بألَّا تكون بينها نفرة فِي المخارج ، ولا نفرة فِي النغم ، بل يتلاقى نغمها ، وتسهل مخارجها ، فلا تكون واحدة نابية عن أختها ، بل تتآلف وتتآخى فِي نسق واحد ، بحيث لا تبدو واحدة ينطق غير مؤلف مع نطق تاليتها ، أو كما قال الجرجاني فِي"دلائل الإعجاز":"كل كلمة لقف مع أختها ، ولو حاولت أن تنزع كلمة لتضع مكانها فِي معناها ما ائتلف السياق ولا انسجم الأسلوب"ويقول فِي هذا الباقلاني فِي كتابه"إعجاز القرآن":
"واعلم أن هذا علم شريف المحلّ ، عظيم المكان ، قليل الطلاب ، ضعيف الأصحاب ، ليست له عشيرة تحميه ، ولا أهل بيت عصمة تفطن لما فيه ، وهو أدق من السحر ، وأهول من البحر... وكيف لا يكون كذلك وأنت تحسب أن وضع الصبح ، فِي موضع الفجر يحسن فِي كل كلام ، إلَّا أن يكون شعرًا أو سجعًا ، وليس كذلك ، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر فِي موضع ، وتزل عن مكان لا تزل فيه اللفظة الأخرى ، بل تتمكّن فيه ، وتضرب بجرانها ، وتراها فِي مظانها ، وتجدها فِي غير منازعة فِي أوطانها ، وتجد الأخرى لو وضعت فِي موضعها لكانت فِي محلّ نفار ، ومرمى شرار ، ونابية عن استقرار"1.
هذا ما ذكره الباقلاني فِي كتابه ، وإذا طرحنا ما فيه من سجع لم يجئ على رسله ، واتجهنا إلى ما يرمي إليه وجدناه سليمًا دقيقًا ، وإنه لا ينطبق على كلام كما ينطبق على القرآن ، ومقام القرآن فيه مقام الذروة والسنام.
وإن التأليف ليس فقط فِي نسق الألفاظ ونغمها ، بل إنه يشتمل التآخي فِي المعاني كالتآخي فِي المباني ، فلا يكون معنى لفظ نافرًا من المعنى الذي يجاوره ، ويتألف من الألفاظ والمعاني وما توعزه من أخيلة ، وما تثيره من معانٍ متداعية يدعو بعضها بعضًا ، ويتألف منها علم زاخر ، كثير خصب ، وقد عبَّر عن هذا المعنى الوليد بن المغيرة بقوله:"إن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق".