ولنذكر لك شاهدًا على ما نقول هو قصة الأعرابي الذي سمع قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] ، فأخطأ القارئ وقال: غفور رحيم ، فقال الأعرابي: إنه يقطع الأيدي نكالًا فلا يتفق القول ، فراجع القارئ نفسه وأدرك المعنى.
57 -وإن التآخي فِي المعاني والألفاظ ونسقها ونغمها ومعانيها واضح فِي كل آيات القرآن ، لا فِي آية دون أخرى ، ولا فِي سورة دون سورة ، فلا تجد فِي لفظ معنى يوجه الخاطر إلى ناحية ، ويليه آخر يوجهه إلى ناحية أخرى ، بل تجد النواحي متحدة إمَّا بالتقابل وإما بالتلاصق والمجاورة ، وفي كلتا الحالين تجد معنى كل لفظ يمهد لمعنى اللفظ الآخر ، فلا تنافر فِي المعاني ، كما أنه لا تنافر فِي الألفاظ ، وهما فِي مجموعها يناسبان فِي النفس غذاء رطيبًا مريئًا ، ونميرًا عذبًا سلسبيلًا.
وقد ساق الباقلاني آيات ليست مختارة اختيارًا ؛ لأنَّ آيات القرآن كلها لا نظير لها ، فليس اختيار من ينتقي ؛ لأنَّ كله خير ، وسنذكر آيات مما ذكر وأخرى لم يذكر كأن نفتح الكتاب ، فيبدو نوره فنقبس منه قبسة.
وقرأ قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
1 إعجاز القرآن ص280 طبع المعارف.