وَلَيْسَ هُوَ بِمَعْنَاهُ عَلَى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ مُسْتَقِلٌّ جَاءَ مُتَمِّمًا لِمَا سَبَقَهُ ، وَهَذَا الْأَمْرُ نَوْعَانِ: أَمْرُ تَكْوِينٍ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْخَلْقُ مِنَ النِّظَامِ وَالسُّنَنِ الْمُحْكَمَةِ ، وَقَدْ سَمَّى اللهَ - تَعَالَى - التَّكْوِينَ أَمْرًا بِمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (كُنْ) وَأَمْرُ تَشْرِيعٍ وَهُوَ مَا أَوْحَاهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْأَخْذِ بِهِ ، وَمِنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ تَرْتِيبُ النَّتَائِجِ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ وَوَصْلُ الْأَدِلَّةِ بِالْمَدْلُولَاتِ ، وَإِفْضَاءُ الْأَسْبَابِ إِلَى الْمُسَبِّبَاتِ ، وَمَعْرِفَةُ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ بِالْغَايَاتِ ، فَمَنْ أَنْكَرَ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ بَعْدَ مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى صِدْقِهِ أَوْ أَنْكَرَ سُلْطَانَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ بَعْدَ مَا شَهِدَتْ لَهُ بِهَا آثَارُهُ فِي خَلْقِهِ ، فَقَدْ قَطَعَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ بِمُقْتَضَى التَّكْوِينِ الْفِطْرِيِّ ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا عُلِمَ أَنَّهُ جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنَ الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ فَفِيهِ الْقَطْعُ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ فَفِيهِ الْقَطْعُ بَيْنَ الْمَبَادِئِ وَالْغَايَاتِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ الدِّينُ بِهِ قَطْعًا فَهُوَ نَافِعٌ وَمَنْفَعَتُهُ تُثْبِتُهَا التَّجْرِبَةُ وَالدَّلِيلُ ، وَكُلُّ مَا نَهَى عَنْهُ حَتْمًا فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ عَاقِبَتُهُ مُضِرَّةً ، فَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ هُمُ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ بِغَايَتِهِ ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللهِ -