لَا يُبَصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (7: 179) وَكَمَا قَالَ أَيْضًا: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (2: 171) .
هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنَ الْعَهْدِ الْإِلَهِيِّ وَهُوَ الْعَامُّ الشَّامِلُ ، وَالْأَسَاسُ لِلْقِسْمِ الثَّانِي الْمُكَمِّلِ الَّذِي هُوَ الدِّينُ ، فَالْعَهْدُ فِطْرِيٌّ خُلُقِيٌّ ، وَدِينِيٌّ شَرْعِيٌّ ، فَالْمُشْرِكُونَ نَقَضُوا الْأَوَّلَ ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَمْ يَقُومُوا بِحَقِّهِ نَقَضُوا الْأَوَّلَ وَالثَّانِي جَمِيعًا ، وَأَعْنِي بِالنَّاقِضِينَ مَنْ أَنْكَرَ الْمَثَلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَالْمِيثَاقُ: اسْمٌ لِمَا يُوَثَّقُ بِهِ الشَّيْءُ وَيَكُونُ مُحْكَمًا يَعْسُرُ نَقْضُهُ ، وَاللهُ - تَعَالَى - قَدْ وَثَّقَ الْعَهْدَ الْفِطْرِيَّ بِجَعْلِ الْعُقُولِ بَعْدَ الرُّشْدِ قَابِلَةً لِإِدْرَاكِ السُّنَنِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الْخَلْقِ ، وَوَثَّقَ الْعَهْدَ الدِّينِيَّ بِمَا أَيَّدَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْأَحْكَامِ الْمُحْكَمَاتِ ، وَقَدْ وَثَّقَ الْعَهْدَ الْأَوَّلَ بِالْعَهْدِ الثَّانِي أَيْضًا ، فَمَنْ أَنْكَرَ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وَلَمْ يَهْتَدِ بِهَدْيِهِمْ فَهُوَ نَاقِضٌ لِعَهْدِ اللهِ فَاسِقٌ عَنْ سُنَنِهِ فِي تَقْوِيمِ الْبِنْيَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَإِنْمَائِهَا ، وَإِبْلَاغِ قُوَاهَا وَمَلَكَاتِهَا حَدَّ الْكَمَالِ الْإِنْسَانِيِّ الْمُمْكِنِ لَهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) فَفِيهِ مِنَ الْإِجْمَالِ نَحْوُ مَا فِي نَقْضِ الْعَهْدِ ،