ثم نتجه إلى صورة تلك النفس ، وقد أصابها الشر ، ولم تنل النعمة ، وهنا كلمتان كلتاهما تصور صورة من نزول الضر ، وأعقابه فِي النفس الجاحدة ، الكلمتان هما:"مسه الشر"و"كان يئوسًا"، إنَّ المسّ وهو الإصابة بالشر ، وإنَّ التعبير بمسٍّ يفيد أن الأصابة بالشر ولو خفيفة تصيب من النفس ما تجعلها يائسة ، والشر كل ما لا يرغب فيه ، ويطلق على الأمور الضارة حسيًّا ونفسيًّا ، وعلى الأمور القبيحة خلقيًّا. والتعبير بالشرِّ هنا يشمل الضار ؛ كقوله: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} [يونس: 12] ، ويشمل نتائج الطغيان والعصيان ، فيكبه الله تعالى على وجهه ، ويشمل العقاب الذي ينزله جزاءً لما ارتكب ، وإذا كان قد جحد بنعمة الله تعالى ؛ إذ أنعم بها وأعرض ، ونأى بجانبه ، فإنَّ النفس التي تطغى بالنعمة تذل وتهون وتضعف بسلبها ، ويصيبها اليأس المطلق إذا نزلت بها النقمة.
الكلمة الثانية: كان يئوسًا ، وهنا نجد كلمة كان الدالة على اللزوم والاستمرار ككان فِي قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96] ، وكلمة يئوسًا بصيغة المبالغة الدالة على لزوم اليأس وإيغاله فِي النفس ، وعدم افتراقه عنها ، فيكون فِي حال بؤس مستمرٍّ ، ويأس دائم ، يكفر إذا أنعم الله عليه ، ويصاب بالطغيان ، ويكفر إذا اختبره الله تعالى بالشر يصيبه.
ولا شك أنَّ هذه الجمل السامية والكلمات تصور حال إنسان غير قارٍّ ولا ثابت ، تبطره النعمة ، ويوئسه الاختبار ، وكل ذلك فِي ألفاظ منسجمة فِي نغماتها ، متضافرة فِي معانيها ، تدل على النفس المنحرفة وتصورها.